كوني شخص كثير التأمل أميل دائمًا لمراقبة حواراتنا اليومية، وما نكتبه على وسائل التواصل وأتأمل كيف تتسرب لغة العيادات النفسية إلى مجالسنا وتغلب أحاديثنا مصطلحات تعيد تعريف علاقتنا مع مفاهيم أصيلة في الحياة دون أن نعي. تجري في مجالسنا ومنصاتنا وعياداتنا وقاعات تدريبنا وحواراتنا الداخلية عملية تبديل واضحة للمصطلحات نغفل عنها، بل وربما نعتبرها اكتشاف عظيم. كما أراقب -من مسافة حذرة- الجدل المحتدم بين المعالجين النفسيين والأطباء حول علم النفس الإسلامي، أراقب من مكان لست فيه بعالمة نفس ولا مختصة ولا فقيهة ولا عالمة، إنما أقف في هذا المشهد موقف الإنسان البسيط الذي تكابد نفسه مشقة الحياة وتضطرب في دروبها، موقف المسلم الذي يمس هذا النقاش صميم إيمانه وواقعه ويعنيه هذا الشأن في أصل وجوده.
خلال حديثي أو حديث الأصدقاء أو خلال قراءتي لما يكتبه الآخرون في هذا الفضاء العام بت ألتقط حرصا بالغا على تغليف العثرات المعتادة بمصطلحات علمية حديثة تمنحنا عذراً يخفف ثقل المسؤولية وعبء الاجتهاد والعمل.
يبدأ هذا التحول حين تداولنا مصطلحات جديدة تستبدل كلمة الصبر بالمرونة النفسية، وتضع الصدمة أو التروما بديلاً للابتلاء، وإدارة القلق مكان التوكل، والسلام الداخلي مكان الرضا، وتطوير الذات مكان تزكية النفس، واليقظة الذهنية مكان الخشوع. لست ضد تداول مصطلحات جديدة أو تعريف مختلف وجديد للأشياء طالما أنها لا تمس فهمنا الأصيل لمنظومة قيمنا ولا تؤثر فيها سلباً، لأن كل مصطلح يجر خلفه عالمه، وحين ننقل الاسم ننقل معه المرجعية التي نشأ فيها، فاللغة تصوغ الإدراك وتوجه الفكر وتؤثر فيه. يبين عبد الوهاب المسيري في العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة أن كل مصطلح يحمل نموذجا كامنا يحدد مصادر المعنى ومرجعية الحكم، ومن يستورد اللفظ يستورد رؤيته غالباً.
حاولت تعقب وفهم هذا الإحلال في المصطلح وأثره، قرأت واستمعت وفكرت وتأملت وأعرف أنه ينقص بحثي وتأملي الكثير من العلم والفطنة، وجدت أن هذا الاستبدال هو ثمرة مسار غربي طويل نقل مرجعية المعنى من السماء إلى داخل الإنسان. حيث تنهض كريمة دوز على هذا المفهوم عينِه في كتابها (الإنسان بين الرؤية الحداثية والرؤية التوحيدية) إذ ترسم للإنسان صورتين: صورة توحيدية تستمد قيمته ومعناه من صلته بخالقه، وصورة حداثية ترده إلى ذاته فيغدو مركز نفسه ومصدر معناه، إنسان منزوع القداسة التي سلبها منه داروين من خلال نظرية التطور. وُلد (الإنسان النفسي) على هذه الأرض كما وصفه فيليب ريف في كتابه: انتصار المعالج، فعند انتقال الإنسان من الإنسان الديني الذي ينشد النجاة إلى الإنسان النفسي الذي ينشد الرضا والشفاء، حلت (أشعر) مكان (أؤمن). وعليه يوضح فرانك في كتاب (ثقافة العلاج) أن لغة المشاعر صارت طريقة الناس في فهم كل شيء وإطارا لتفسير مشاكلهم، حتى صاروا يصفون همومهم في المال ومشاكلهم الاقتصادية والسياسية بأنها جروح نفسية وصدمات. عزز هذا الفهم لدي قراءتي لكتاب إيفا إيلوز (إنقاذ الروح الحديثة) التي تتبعت ببراعة كيف دخلت وتغلغلت هذه اللغة إلى العمل والإعلام والأسرة، حتى صارت هي التي تشكل نظرة الإنسان إلى نفسه، وأصبح علم النفس لغة العصر ومعجمه.
انتقلت إلينا هذه العلوم ومعها لغتها وتفسيراتها وسياقاتها حيث ذكر المفكر السوداني مالك بدري مبكرا في كتابه (أزمة علماء النفس المسلمين) إلى احتلال علم النفس منزلة الدين في الغرب، وقيام بعض المسلمين بنقل مقولاته ومفاهيمه نقلا حرفيا دون وعي كاف بحمولتها، وسمى ذلك استعمار العقل. وقد يفسر هذا بعض من نفور كثير من المعالجين وزاور عيادات العلاج النفسي السلوكي من المصطلح الشرعي، حيث يحمل الاصطلاح الموروث طابع الوعظ والإلزام والحكم الأخلاقي، ويبدو المصطلح النفسي محايدا يمنح قائله هيبة العلم ومواكبة الحداثة. فقد يبدو المتحدث الذي يقول: “إنني أعاني صدمة”، عصريا علميا مواكبًا للأبحاث، ويبدو من يقول: “أنا مبتلى” واعظا قديما. قد يزيد هذا النفور معيارية المصطلح الشرعي ومطالبته صاحبه بواجب، فالصبر فضيلة يسعى إليها، والابتلاء امتحان حتمي لكل البشر يستدعي جهد العبد لتقبله والتعامل معه وفق ضوابط شرعية، في حين يصفها المصطلح العلاجي حالة يعالجها الطبيب ويتقاسم مسؤوليتها مع المريض، ويميل كثيرون إلى المفردة التي تعفيهم من الحكم وتضعهم موضع المريض المعذور أو الضحية. يظهر هذا جليا في حوارات العيادات اليومية ونقاشات منصات التواصل، حين يبرر الكثير تخليهم عن مسؤولياتهم العائلية بعبارات التعافي وتدليل الطفل الداخلي وحدود الذات، ويغيب مفهوم صلة الرحم والتراحم ويغيب قبله مفهوم مراجعة النفس وتزكيتها وتحديد موقع مسؤوليتها المشتركة مع الآخرين.
يغرق الإنسان الحديث في محيط من الترف يورثه الكسل، ويدفعه إلى التهرب من مكابدة علاج نفسه وأمراض قلبه ومواجهة عيوبه وبناء علاقة متينة مع الله عبر جهد مضن. فيلهث هذا الإنسان خلف الحلول السريعة الجاهزة في كل شيء، في الصحة والمال والعمل والعلاقات -وانسحب طلب هذا الترف إلى جوهر التجربة الإنسانية وأصل وجود الإنسان وهو المكابدة-. ويميل إلى ممارسة دور الضحية، ليتخفف من العبء الثقيل الذي تفرضه مسؤولية إصلاح النفس وتزكيتها.
وهذا المنشور يوضح المقصد، وهو ليس منشور غريب هذه الأيام ولا نادر:

يتضح أثر هذا الاستبدال حين نضع المصطلحين المتقابلين وجهاً لوجه، ونأخذ الصبر والمرونة النفسية مثالا. عرف علم النفس المرونة النفسية في بداياته بقدرة الفرد على التكيف والتعافي والعودة إلى نقطة انطلاقه وحالته الطبيعية قبل الكرب أو الشدة، ثم تجاوز علم النفس الحديث هذه النظرة الأولية وطرح مفهوم النمو ما بعد الصدمة، ويقرر هذا المفهوم خروج الإنسان من الأزمة متغيرا وأكثر نضجا. بينما أفرد ابن قيم الجوزية قبل ذلك كله كتابا كاملا للصبر: (عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين)، وحلل فيه المصطلح لغة واشتقاقا وحقيقة وأقساما مستنداً إلى الفهم القرآني والحديث النبوي، وختم ابن القيم كتابه بأن الصبور اسم من أسماء الله. وتزخر المكتبة الإسلامية بالكثير من الأطروحات والرسائل في البلايا والمحن والرزايا. يمثل الصبر في التصور الإسلامي علاقة أساسية مع الخالق قبل أن يكون مهارة، ويصبر المؤمن لله ويحتسب، ويحول ألمه إلى عبادة ورفعة ومعنى يتجاوز اللحظة. المفهوم الإسلامي يفتح أفقا يعلو بالمبتلى ويعلمه قيمة الأشياء والدنيا، المفارقة أننا نتقبّل أطروحات كأطروحة فيكتور فرانكل في (الإنسان والبحث عن المعنى)، ونرحب بحضور المعنى في قلب العلاج، ونتقبل النظريات المعرفية الجديدة ولكننا في الوقت نفسه نتحفظ على حضور الدين في جلسة العلاج النفسي.
تتكرر بنية المقارنة نفسها بين الابتلاء والصدمة حين نعود إلى أصل الكلمتين، فتأتي كلمة (ابتلاء) من الجذر اللغوي ( ب ل و ) والذي يعني الاختبار. وللاختبار طبيعة حضور طرفين هما المُبتلِي والمُبتلَى، مما يسبغ على هذه التجربة القاسية غاية وحكمة تتجاوز حدود الألم المباشر والمادي، وتجعل الخالق الحكيم طرفا أصيلا في هذه العلاقة، فالمؤمن يدرك أن الابتلاء حقيقة حتمية في رحلة الحياة وحصول الابتلاء أمر ليس غريب بل ومعروف، حيث يقول الخالق ذلك بوضوح في قوله تعالى: “ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات”. ترسم هذه الآية الكريمة مسارا كاملا للتعامل مع المشقة والابتلاء، فتقدم الصبر كأداة عملية للمواجهة، وتختم هذه المكابدة بالبشارة في نهايتها وطريقا يصعد بصاحبه، ويغدو المبتلى مكرما عند الخالق بما يقتضيه الخالق.
وفي المقابل، تأتي كلمة )التروما( من أصل يوناني وتعني الجرح الجسدي، ثم انتقلت الكلمة إلى علم النفس لتصف الضرر النفسي البحت الذي يحتاج إلى تدخل وعلاج. يحصر هذا المفهوم التركيز في الأذى والوجع، ويجرد التجربة من معانيها الوجودية الكبرى. يؤدي هذا الاختلاف الجذري إلى تغيير طريقة تفاعلنا مع القلق والألم والخوف، فكلمة الابتلاء تمنح الإنسان القوة والكرامة وتدفعه للنهوض متسلحا بالصبر ومترقبا للبشارة، في حين تدفع كلمة التروما الإنسان نحو الشعور بالضعف، وتضعه في موقع الضحية التي تقف أمام الجرح وتنتظر الشفاء فقط. وهكذا تتغير الكلمة وتغير معها موقع الإنسان من قصته، وينتقل من ممتحن يرنو إلى العلو إلى مجروح يطلب الرثاء.
يشرح هذا التحول بحث اطلعت عليه لنك هاسلام (تمدد المفاهيم)، حيث يوثق تمدد ألفاظ الأذى كالصدمة والإساءة والاضطراب أفقيا لتشمل ظواهر جديدة، وعموديا لتشمل درجات أخف، حتى استحالت الكلمة قالبا جاهزا لكل مكروه عابر. يعظّم وصف كل شدة بالصدمة حجم الجرح ، ويورث الأجيال الجديدة هشاشة تقعدها عن مواجهة أبسط تحديات الحياة، وتدفعها لتصنيف المتاعب اليومية أزمات كبرى. أعرف يقينا وجود الأزمات الحقيقية والكروب العظيمة التي تكابدها البشرية منذ الأزل، وتتطلب تعاملا جادا وعلاجا حقيقيا وهذه ليست إشكاليتي، لكن تنحصر ملاحظتي في انسحاب هذا الخطاب على أمور عادية ومنغصات الحياة اليومية التي نمر بها جميعا.
نتج عن هذا الاستلاب المعرفي محاولات تبرز في إطلاق مسمى علم النفس الإسلامي. أتابع، كما ذكرت، الجدل الدائر حول مفهوم علم النفس الإسلامي، ويدرك من وصل إلى هذا الموضع من المقال يقيني التام بأن الدين والإيمان يمثلان جوهر خلاصنا من ابتلاءاتنا. ينطلق موقفي في هذه المسألة من باب التحفظ، وليس الشجب، ويتركز اعتراضي على جعل الدين صفة تابعة لفرع معرفي مستورد، وتجاهل حقيقة أن الدين يمثل جوهر الحياة ومعيار القيمة الأول الذي يحاكم الأشياء. ليس ديننا مجرد مدرسة علاجية يضيفها المعالج إلى قائمة المدارس النفسية، أو أداة يستدعيها الممارس لترقيع القصور العيادي أو جنوح النفس الحديثة. كما أنه يثير استغرابي هذا الرفض الشديد لحضور الدين في جلسات العلاج النفسي، خاصة حين نرى كثير من المعالجين يتبعون المعايير الغربية ونماذج التشخيص والعلاج بامتثال تام، ويبدلون قناعاتهم فور تغير تلك المقاييس. أستوعب هذا الموقف متى ما اقتصر المعالج على النظرة المادية الصرفة، وأخضع الإنسان لفحوصات جسدية وتحاليل طبية دقيقة تكشف الجذور الحقيقية للأعراض، وربط أمراضه النفسية الحديثة بنمط الغذاء والخمول الجسدي والتعرض المفرط للشاشات الخ.
تتجلى المشكلة الحقيقية في الإصرار على انتزاع هويتي الدينية وثقافتي الأصيلة باسم العلم، وقولبة معاناتي داخل نظريات علاجية نشأت في سياق مختلف تماما، وانطلقت من أسس مباينة لواقعنا. يمثل هذا التوجه استلابا يسلب الإنسان مرجعيته الكبرى، ويجبره على التداوي بأدوات تخص إنسانا آخر يعيش في عالم منزوع المقدسات ويتجاهل أننا ندين لله في صحتنا ومرضنا، ونجعل الشريعة حاكمة على العلم، ونرفض تبعيتها لقصوره.
يقتضي الإنصاف الإقرار بمنافع اللغة النفسية وأدوات العلاج الحديثة متى ما فهم المعالج أدواته وزواره. يعين وصف الجرح وصفا دقيقا على مداواته، وتنفع أدوات العلاج الحديثة في مواضعها وهذا لا يحتاج إلى رأيي أصلا ولا إلى تأكيدي. يقتصر نقدي نفسه على مسألة الإحلال الشامل الذي يطرد المصطلح الموروث ويستقدم بديله بكل حمولته الخفية متسللا في محادثاتنا اليومية صغارا وكبارا حتى يتغلل في بنية وعينا.
أؤمن أن الأسماء والمصطلحات التي تختارها أمة لتسمية أوجاعها تمثل فهمها لوجودها وموقعها وبالتالي تدرك كيف تتعامل معها وفق حجمها الحقيقي. نغير الاتجاه الذي يشير إليه ألمنا حين نهجر الصبر والابتلاء إلى المرونة والصدمة، وبينما يرفع الصبر بصر المبتلى إلى السماء، فإن التروما تحصر نظره إلى الجرح وأسبابه. هذه ليست مقالة لاستفزاز أي معالج نفسي أو أي شخص يستخدم هذه المصطلحات ولكنها دعوة من إنسان عادي بسيط لاستعادة واعية لموقع الإنسان في علاقته بخالقه وبالتالي استعادة موقعه من المحن والبلايا وطريقة النظر لها ومن خلالها.



