السفر البطيء -١-

Date
يوليو, 26, 2022

هذه سلسلة تدوينات عن تجربة السفر البطيء، النشاطات والأثر و الطرائق وكل ما أعيشه خلال هذه التجربة.

رحلة سويسرا – اكتوبر ٢٠٢١

لقد حلمت كثيراً منذ صغري بالسفر، بالذهاب إلى لندن خصوصاً والمشي في شوارعها والضياع في أزقتها. كبرت واتسعت قائمة وجهات أحلامي حتى جاء اليوم الذي تصبح فيه حقيقة، وحقيقة جميلة جداً منحني الله إياها من غير حول مني ولا قوة. لقد أحببت كل مايتعلق بالسفر: التخطيط و القرارات والاختيارات وفوضى المطارات انتهاءً بلحظة الوصول للوجهة والاستسلام تماماً لها بكل ماتحمله من مفاجآت وإحباطات. ولكن ذلك تغير سريعًا بعد عدة رحلات، أصبحت كأنها أداء واجب وتُؤدى بشكل سريع بغية مشاهدة كل شيء وتجربة أكثر ما يمكننا تجربته .. وهذا تصرف متصل بنظام الحياة الذي كنا نمارسه.. نظام مزحوم ممتلئ لا يراعي شعور الحاجات البشرية الأساسية لذلك جاء السفر تبعاً لهذا الاستعجال غير المدروس والمستمر.

بدأت باستيعاب الجهد الذي خلفه هذا النظام بشكل عام والسفر على وجه الخصوص خلال فترات حجر كورونا،. جهد نفسي وجسدي ظهر على شكل علامات رفض لهذه الممارسات والرغبة في رحلة هادئة أنغمس فيها أكثر مع ما يحيط بي ولا أقلق من ما يجب أن أفعله تالياً أو ماهو أفضل مكان لتناول وجبة الغداء في الساعة الفلانية حتى يمكننا اللحاق بالخطة؛ تباً للخطة. بدا لنا أنه من غير المجدي إنفاق مبالغ طائلة لمجرد السفر أو اللحاق بالتجارب. عوضاً عن ذلك نريد للسفر أن يكون تجربة عميقة، مطهرة، تجربة استجمام وليست ركض أو هروب مضني. أرغب في السفر والتنزه بشكل منطقي لا يشعرني أني في سباق لم يعجبني ولا يشبهني. أرغب في رحلة تشعرني حقاً أنني في إجازة وليست ماراثون سباق ونشاطات بديهية لأي سائح يستهدف المعالم السياحية و يجرب هذا وذاك حتى “لا يفوته” شيء. أريد أن أرتبط بالأرض أكثر، أن أعيد التعرف على نفسي من خلال التماهي مع الطبيعة والبحر والتأمل في البشر وكيف يعيشون. أود تعزيز مناخ هادئ ومستكين عبر السفر ببطء وآمل بالاحتفاظ بالأشياء الطيبة التي يمنحها المشي في الغابات وبجانب النهر والجلوس على كرسي مقابل لحديقة يتجول فيها البط وتؤلف العصافير فيها أجمل موسيقى.

يقول برتراند راسل:

من كتاب انتصار السعادة

وجدت نفسي بين السطور وربما هذا ما كان يشعرني بعدم الراحة؛ هو عدم اتساق طريقة السفر مع رغباتي الداخلية وأهدافي الشخصية.. لذلك أجدني بعد كل رحلة منهكة وبحاجة لراحة وكنت أتساءل ما الفرق بين الرحلة الفلانية ورحلة موريشوس في ٢٠١٥ حين عدنا مفعمين بالنشاط والبهجة الداخلية التي وجدت طريقها لتظهر بشكل جلي على تصرفاتي. وجدت أن الرحلات التي كانت بغرض الاستمتاع والاستجمام و الهدوء يبقى أثرها معي ممتد، أما رحلات التقليد والاستهلاك فكانت تنهكني أكثر من كونها مصدر راحة. لا أزعم بأي شكل من الأشكال أن الرحلات من النوع الأول تافهة وسطحية ولكني لم أرغبها أن تكون السمة العامة، ولكل نوع رحلة وقت مناسب لممارستها، وأن يكون هناك خيار البطء عندما يكون البطء منطقياً.

عزمنا على السفر بشكل مختلف ويشبه أول رحلاتنا، رحلات نستجم فيها ونمارس الهدوء والسكينة ونجتنب السرعة، وشراهة الاستهلاك والتجارب بدأت برحلات داخلية، ينبع وأملج والاستمتاع بالشواطئ الزرقاء والتجول ببطء داخل هذه المدن الصغيرة التي تشعرك بالسكون والهدوء. وبعد أن أصبح السفر ممكن بعد سنوات الوباء كانت أول رحلة بطيئة وهادئة لنا خارج الوطن. اخترنا ألمانيا – سويسرا – – فرنسا ثم إيطاليا -حيث الطعام البطيء المتشبع بالمحلية- لمدة شهر. لقد اختبرت السفر من خلال هذه الرحلة بعيون مختلفة، وبأنشطة مختلفة. تحولت الأهداف من : رؤية ما يمكن رؤيته وفعله بأسرع وقت: إلى الانغماس في الوجهة واستكشاف طبيعتها والتأمل في طبيعة كل مدينة. لا يوجد قائمة للأشياء التي أرغب بزيارتها ولا يوجد مخطط مفصل لليوم.. إنما يوجد هدف: الانغماس في أي ما تمنحه لنا المدينة / الضاحية. لا يوجد مقهى شهير على القائمة وإنما التعرف خلال المشي العشوائي على مقهى محلي وبتفاصيل مميزة.

لقد امتلأت أيامنا في هذه الرحلة بالكثير من الأحاديث العابرة مع المحليين، لقد عرفتني امرأة فرنسية لطيفة جداً باسم جبل جميل في أحد ضواحي انسي، حينما شاهدتني أتأمل بإعجاب جبل شامخ قمته تقول الكثير عندما تسطع عليها أشعة الشمس البرتقالية. تحدثت لي عن جمال الجبل وكيف تراه أيضاً جميلا رغم أنه يظهر في طريقها كل يوم من طفولتها في هذه الضاحية. ومن خلال هذه الحديث قررنا صعود قمة الجبل (بالسيارة طبعاً لأني لا يمكن أن أهين لياقتي العالية بصعود جبال- إنني اختزنها لظروف أصعب-) والتعرف على المنظر من الأعلى.. كيف يرى الجبل المدينة ؟ كيف يرى الناس وهم يخرجون من بيوتهم؟ كيف يرى البحيرة والقوارب التي تجوبها؟ كان منظر مهيب لم يزده جمالاً إلا أوراق الخريف الملونة على أشجاره.

قرية في الريف الألماني أثناء جولتنا اليومية

لقد كان من الرائع جداً أن لا يكون لسطوة الوقت الحصة الأكبر لاتخاذ القرارات في رحلة الاستجمام، نصحو بكل تأني ونتجه لمطعم محلي يقدم إفطار مصنوع من منتجات محلية وتناول القهوة والتفاعل مع البيئة من حولنا. أن نشهد المدينة في الصباح ونراقب كيف تنام في الليل. أن لا نشارك في سباق وسعار مشاهدة ما يشاهده السياح ، أن نختار أن نتجول بعشوائية ونتأمل المباني، الأبواب، وطبيعة المحلات وأحاديث الجيران. وفي القرى نندمج تماماً مع النهر الذي يقطع القرية ومع السيدة التي تصحو باكراً لتمارس المشي في الغابة المجاورة. لقد اعتدنا على النزول من جبل في إحدى ضواحي ألمانيا ونمر بذات البيوت كل يوم، ونشاهد الرجل الذي كسى شعره البياض كل يوم يتناول القهوة مع زوجته الملتحمة بشال صوفي مميز في حديقتهم الأمامية ونتبادل الابتسامة والتحية كل يوم.

قراءة يومية على سفح جبل في ضواحي ألمانيا

لقد أنعشني جداً أن أقرأ صفحات من كتابي كل يوم في ظهيرة دافئة على سفح جبل وهاتفي لم يعد المتحكم الأساسي بتركيزي. مررت ببيوت ووجدت سيدات منهمكات بالاهتمام بحدائقهن، ولربما خففت ابتسامتي واندماجي معها في زراعة زهرة أو تقليم نبتة في كسر حاجز يولد بين الغرباء ونتبادل التحايا ثم أسألها الإذن بالتقاط صورة لحديقتها الجميلة فتجيب بالموافقة بكل حب وابتسامة متبادلة. لقد صنعت مني هذه اللحظات والمحطات العابرة شخص يهتم بما حوله ويتأمل ما يحيط به، بل ويختار ما يحيط به من مواد. لقد علمتني أن الناس تعيش وفق طرائق مختلفة ولا ضير في أن لا أخضع للدارج أو أي نمط لا يشبهني. أن أنأى بنفسي عن كل توصيات سفر لا أرغب بها وأن لا أتعاطى مع “لايفوتك” و “لازم تجربين” هذا وذاك.

لقد كانت هذه الرحلة البطيئة المجيدة نقطة تحوّل رائعة في حياتي وطريقة رحلاتي وحتى في هضمي للأمور والتعاطي مع الضغوطات الاجتماعية.. لقد أبهجني للغاية أن أصمم يومي حسب رغبتي أنا ، وينعشني أن “يفوتني” معالم سفر الحشود والمطعم الخرافي اللي “لازم أجربه” وأن ألتحم بآرائي وطرائقي بدلاً من تبني طرق سفر وحياة تنتمي للغير.

كتب مقترحة:

نوال القصيّر

3 Comments

  1. رد

    مها البشر

    يوليو 27, 2022

    اهلًا نوال،
    لقد استمتعت جدًا بالتدوينة، وهذا النظام الذي اتبعه في جميع سفراتي. لا أذكر أنني سافرت سفرة محمومة ابدًا، واعتقد يرجع هذا السبب لطبيعتي وطبيعة زوجي. فنحن بطبعنا هادؤون ولا نهوى الجري حتى في حياتنا اليومية. فكلانا شبه منقطع عن قنوات التواصل، وكلانا لا نحب تجربة كل جديد. لأن ثقافة القطيع غالبًا لا تناسب أذواقنا. وعندما أقول لأحدهم أن مطعمنا المفضل هو فدركرز، ينفجر ضاحكًا. لا أميل غالبًا الى تجربة الأشياء الجديدة ولا معرفة كل ماهو ترند. استمتع بقوقعتي جدًا.
    وعندما رزقنا بأطفال، اتخذ السفر البطيء الذي نهواه، شكلًا أكثر بطأً لكنه لازال محبب.

    تحمست للكتب وبضيفها للقائمة ان شاء الله

  2. رد

    وفاء

    يوليو 29, 2022

    تدوينة رائعة جدا انغمست فيها وحسيت اني عايشة جو السفر معك ،بإذن الله في المستقبل اذا حصل فرصة للسفر ، بجرب السفر ببطء

  3. رد

    نوره مبارك

    سبتمبر 13, 2022

    الله.. أحببت وصفك، ووصلني شعور بالسلام والهدوء من تدوينتك
    شكرًا لمشاركتنا هذه التجربة

Leave a comment

Related Posts

لمحة

بكل عاديتي وبساطتي وتعقيدي أكتب وأدوّن حتى أنمو أولاً ومن أجل الأثر ثانياً. مدوّنة نوال القصير عمرها طويل فقد ولدت في عام ٢٠٠٦ تعثرت كثيراً وهُجرت أيضاً ولكنها شهدت أعوام من الالتزام بالكتابة. تطوّرت وتراجعت ثم عادت للحياة مرات كثيرة كنبتة جفّت ثم انعشها المطر. أكتب عن الكتب والقراءة، عن كل المفاهيم والقيم التي أعيشها أو أرغب العيش بها ومعها. مدونة للأيام الجيدة والسيئة.

موصى بقراءته