
في كل مقابلة وظيفية يديرها مهووسو الإنجاز المفرط والعمل على مدار الساعة، ثمة سؤال يكاد يكون طقسًا تفقد المقابلة بدونه هيبتها المزعومة: هل تستطيع أداء مهام متعددة في وقت واحد؟ سؤال سامج وسطحي. فيما يعرف الطرفان أن الإجابة المنتظرة واحدة، لكن عليك أن تتظاهر بالحماسة لها وتأكيد أنك تنتمي إلى هذه الزمرة التي تجعل تدفق العمل سلسًا. ناهيك عن سيرك سوق العمل (أقصد لينكد إن) حيث يصفّ الناس سلسلة من المهارات الطويلة والمصطلحات المستوردة، فتجيء (مهارة) تعدّد المهام على أعلى القائمة بلا وعي، فهي سمة جاذبة في سوق نخاسة العمل.
وأكاد أجزم أن ما يقارب التسعين في المئة من هؤلاء، ممن يطرحون السؤال أو من يجاوب،ن بحماسة أو -تسليك-، هم راكبو موجة لا أكثر. لم يتفكروا يوما في هذا المصطلح أصلًا: من أين جاء؟ وفي أي سياق؟ وإلى ماذا يرمز؟ وما مآلاته على المستويين الشخصي والمهني؟ وقبل ذلك كله، لم يتجشم أحدهم عناء إدراك بنية العقل البشري المجردة وحدود قدرته على معالجة أكثر من أمر في اللحظة الواحدة – وهي المسألة التي ينبغي أن نناقشها قبل الخوض في أي حديث عن المهام وتعددها أصلًا-. هذا المصطلح مسجون في أدبيات الإدارة الحديثة وأصبح كلمة مرور مهنية لا أكثر، بينما يوضح الواقع مدى وهمية هذا المصطلح.
ظهر مصطلح “تعدد المهام” عام 1965 داخل مستندات شركة IBM التي تصف نظام التشغيل OS/360 لهذه الشركة. استعرضت قدرات حاسوبها (سيستم 360)، حيث صاغت الشركة هذا المصطلح لوصف قدرة المعالج على إنجاز مهامٍ متوازية. ولكن كلمة تعدد تخفي وراءها حقيقة مغايرة لظاهر الكلمة، إذ إن الآلة ذاتها كانت تعالج مهمة واحدة في اللحظة الواحدة، بينما تعتمد هذه التعددية أو التزامن على انتقال المعالج بين المهام، وهو ما يعرف في علوم الحاسب بتبديل السياق Context Switching. ومع مرور الوقت وتصاعد خطابات الإنتاجية تحررت الكلمة من قيدها التقني لتتسرب إلى الخطاب الإنساني، حتى أصبحت ركيزة في إعلانات الوظائف وأدبيات الإدارة الحديثة ومعايير التقييم الوظيفي. وفي هذه الهجرة اللغوية أصبح المصطلح الذي وضع في الأصل لتعريف الآلة، أُسقط قسرًا على الانسان متجاهلًا بنية العقل وقدرته الطبيعية، ليغدو الإنسان مطالبًا بمحاكاة سلوك كان في أصله وهم حتى على مستوى الآلة.
إن الدماغ البشري، فيما تجمع عليه أبحاث علم النفس المعرفي، يعجز عن معالجة مهمّتين تتطلبان وعيًا في آن واحد؛ وما يفعله في الحقيقة هو التنقّل السريع بين المهام، تنقلًا يدفع ثمنه في كل مرة، من غير أن يملك سرعة المعالج لدى الحاسوب. قام ديفيد ماير وزملاؤه في دراساتهم المنشورة مطلع الألفية في بحث علمي رصين يفكك الآليات الذهنية ويفسر ويقيس التكلفة المعرفية العالية المترتبة على محاولة التبديل المستمر بين المهام، فوجدوا أن الانتقال بين المهام يستهلك وقتًا وجهدًا ذهنيًا يتراكمان حتى يلتهما نصيبًا معتبرًا من زمن العمل نفسه، وأن الكلفة تزداد كلما ازداد تعقيد المهمة. تشير تقديرات علم النفس التنظيمي إلى أن التبديل المستمر بين المهام يراكم فاقداً في الإنتاجية (الهدف الأسمى لهذه البيئات) يصل إلى 40%. هذا الرقم وإن كان يبدو إحصائياً، هو الترجمة الواقعية للوقت الذي يستنزفه الدماغ في العودة إلى حالة التركيز العميق بعد كل مقاطعة، مما يحول يوم العمل إلى سلسلة من البدايات المشتتة والمبتورة والتي تفتقد إلى الجودة والرصانة. ويتضح التفسير المعرفي لهذه الحالة عند صوفي ليروي التي صاغت عام 2009 مفهوم «بقايا الانتباه» عبر بحث علمي، إذ خلصت إلى أن جزءًا من انتباهنا يظل عالقا في المهمة السابقة حتى بعد مغادرتها، فيأتي أداؤنا في المهمة اللاحقة أدنى كفاءةً بكثير، كأننا ننتقل بين المهام حاملين معنا أثقالها الذهنية، محرومين من التفرغ الكامل للمهمة التي بين أيدينا. فالعقل حين يغادر مهمة إلى أخرى يترك خلفه ذيلًا من التفكير المعلّق، شريحة من الوعي تظل مشدودة إلى ما كان يفعله سابقًا، فيصل إلى المهمة الجديدة بقدرة أقل من قدرته الفعلية، فيعمل فيها ببعض قدرته. ومن هنا نفهم تلك الرداءة التي تتسم بها مخرجاتنا حين نتبنى مهارات تعدد المهام والمرونة.
ولو كان الأمر مقصورًا على بطء الإنتاجية أو تعثر الجودة لهان، غير أن الضرر يمتد إلى بنية الانتباه ذاتها وقدرات العقل على المدى الطويل. فقد أظهرت دراسة أجراها إيال أوفير وكليفورد ناس عام 2009 أن الأشخاص الذين يعتادون استخدام عدة وسائط في آن واحد كانوا الأسوأ أداءً في الاختبارات التي تقيس القدرة على التنقّل بين المهام نفسها، وكانوا أعجز عن غربلة المشتّتات وأضعف ذاكرة عاملة. أي أن الممارسة التي تُقدم بوصفها مهارة مرغوبة وعلينا أن نكتسبها بالمران تبيّن أنها عادة تفسد الملَكة التي تدّعي تنميتها. فمن يدرّب نفسه على التشتت حتمًا سيحصد التشتت.
أثبت الباحثون عبر دراسة نشرت عام ٢٠٠٦ أن التشتت (أو محاولة تنفيذ أكثر من مهمة) يضعف القدرة على استرجاع المعلومات، فالدماغ عند التشتت يضطر لاستخدام أنظمة ذاكرة تلقائية عوضًا عن الأنظمة المسؤولة عن التعلم الواعي والمرن التي تعتمد على الحصين. هذا التبديل بطبيعة الحال يفسر لماذا تكون المخرجات والقدرة على التذكر أقل كفاءة بكثير عند تعدد المهام.
في محاضرة قدمها البروفسور عالم الأعصاب إيرل ميلر من معهد MIT يشرح فيها ميلر أن الدماغ يوهمنا بأننا نرى أكثر مما نرى فعليًا. فنحن نظن أننا ندرك محيطنا عبر عدسة واسعة كأنها كاميرة فيديو، بينما العين في الحقيقة ترتجف وتتنقّل ثلاث أو أربع مرات في الثانية، ملتقطةً محيطنا في قصاصات، ثم ينسج الدماغ هذه القطع المتفرقة ليصنع منها صورة كاملة. والأمر نفسه ينطبق على تعدد المهام: حين نتنقّل بين المهام يبدو الانتقال سلسًا، لكنه في الواقع سلسلة من التحوّلات الصغيرة. فإن قطعت كتابة عرض لعميل لتقرأ بريدًا واردًا، فإن دماغك ينفق عند العودة طاقة ذهنية ثمينة في إعادة التركيز والتراجع وتصحيح الأخطاء.
وتكشف أبحاث غلوريا مارك الميدانية عن حجم هذا التشظّي؛ إذ رصدت أن العامل المعرفي يبدل مجال عمله كل بضع دقائق، وأن العمل على المهمات التي تعرضت للمقاطعة يُستأنف في اليوم نفسه بعد نحو ثلث ساعة في المتوسط. غير أن هذا الزمن هو زمن العودة إلى المهمة وليس زمن استعادة الانغماس العميق فيها. فحتى بعد أن يعود المرء إلى ما كان فيه، يظل جزءٌ من انتباهه عالقًا في المقاطعة السابقة كما أوردت سابقًا في دراسة صوفي. وعليه فإن يوم العمل النموذجي في المكاتب الحديثة المفتوحة والبريد الالكتروني وتطبيق واتساب -الذي قرر مهووسو العمل توظيفه في أوساط العمل امتحنهم الله- هو سلسلة من البدايات المجهضة، ومحاولات متكررة للعودة إلى عمق ينتزع منه المرء قبل أن يبلغه.
خلال بحثي المتقطع عن الموضوع والناجم أصلاً من كرهي لهذه الطريقة في العمل والترويج لها وتمجيدها احترت من أين إذن جاء هذا الإجماع الغريب على تمجيد ما تدينه التجربة والبرهان معًا؟ فأدركت أن تعدد المهام ميزة للنظام قبل أن يكون ميزة الموظف أو الفرد. فبيئات الإنجاز المفرط تحتاج إلى موظف دائم الإتاحة وسريع الاستجابة وقابل للمقاطعة في أي لحظة، فرفع المستفيدين من هذا النظام هذه الحاجة التنظيمية إلى مرتبة المهارة، وكتبتها في إعلانات الوظائف شرطًا، وطبّعتها حتى صار المرء يعتذر عن تركيزه وكأنه عيب. وهكذا يتبلور الفكر التايلوري في أبهى صوره الحديثة، فبينما كان تايلور في بدايات القرن العشرين يسعى لتفكيك العمل البدني إلى حركات صغيرة متكررة لزيادة الإنتاجية في المصانع، جاء العصر الرقمي ليمارس التايلورية ذاتها على العقل البشري، حيث ينظر إلى العقل والعملية الفكرية بوصفهما مواد خام يمكن تقطيعها وتوزيعها حسب مصلحة النظام.
إن من أعمق ما قرأت مؤخرا في نقد وتفكيك هذه الظاهرة ما طرحه المفكر بيونغ شول هان في كتابه: مجتمع الاحتراق النفسي. إذ قلب المسألة رأسًا على عقب. فتعدد المهام في نظره تراجع حضاري وليس تقدمًا، لأن هذا النمط هو نمط الانتباه الذي تعيش به الحيوانات في البرية، حيث يفرض قانون البقاء على الكائن أن يأكل وهو يراقب، ويراقب وهو يحرس صغاره ممنوع من الاستغراق. أما الانتباه العميق ذلك التحديق الطويل الصبور في عمل واحد، فهو المكسب الحضاري الذي أنتج الفلسفة والفن والعلم، وهو الذي يتآكل اليوم لحساب يقظة مبعثرة تشبه يقظة الفريسة. وحين تروج ثقافة العمل لهذا النمط بوصفه كفاءة، فإنها تدعو الإنسان، من حيث لا تدري، إلى النزول عن أخصّ خصائصه.
فالبشر داخل مجتمع العمل والمعلومات، في عصر الحداثة المتأخرة، لا يمتلكون القدرة الذاتية النابعة من داخلهم على القيام بمهام متعددة، بل هو وضع مفروض عليهم من داخل المجتمع. وبدلًا من أن تكون تلك القدرة مؤشرًا على التقدم، فإنها تصل بالإنسان إلى درجة عالية من الانحدار. حيث تعدد المهام أمر شائع بين الحيوانات البرية؛ إنها آلية متأصلة لا غنى عنها للبقاء على قيد الحياة في البرية. هذا هو السبب في أن الحيوانات غير قادرة على الاستغراق التأملي فهي كائنات موزعة بين الأكل والتكاثر. بيونغ شول هان
وفي ديننا قبل كل شيء ما يسند هذا كله، فالإتقان والإحسان في التصور الإسلامي قيمة تعبّدية تتجاوز المنفعة، وقد جاء في الحديث أن الله يحب من العامل إذا عمل عملًا أن يتقنه. والإتقان بطبيعته يستحيل مع التشتت، لأنه يقتضي حضورًا كاملًا عند العمل، ونظرًا في تفاصيله، وعودًا عليه بالتهذيب والمراجعة.
الانتباه أندر أشكال الكرم وأصفاها – سيمون فايل
أما أنا وبعد التجربة والانصياع لهذه البيئات فأرى التركيز والانتباه حق. لقد خبرت عقلي كما يعرف الحرفيّ أداةَ صنعته؛، يزدهر حين أمنحه موضوعًا واحدًا يقلّبه على وجوهه كلّها، ويذبل ويحترق حين أكلفه أن يتشظى بين مهام متزاحمة تتنازع حظّها منه. ولست أنكر أن تعدد المهام قد ينفع في المهام العابرة الخفيفة، فهي في هذا النطاق حالة استثنائية ومؤقتة، ما دامت تظل ظرفًا عارضًا لا أصلاً دائمًا في العمل. أما أن تتحول إلى مذهب دائم ومنهج في التفكير والتطبيل، فذلك ما أرفضه قناعة وتجربة؛ فرفضي هذا انحياز صريح لفطرة الذهن البشري وطبيعة تكوينه، قبل أن يكون محض اختيار شخصي أو اعتياد عابر.
إن الصراع اليوم هو بين نموذج الموظف المشتت الذي يقتات على إنجاز مهام سطحية متوازية، ونموذج الحرفي المعاصر الذي يختار بدقة ما يمنحه انتباهه ويستغرق في عمله الوقت اللازم. وهنا يتبدّى المأزق: أن نقيس حياتنا المهنية بعدد ما ننهيه من مهام، عوضًا عن عمق وفاعلية ما نتركه من أثر أو قرارت للتغيير؛ فننتج ركامًا من الرسائل والتقارير والخطوات التصحيحية. لن أرمي بعبء التغيير على اموظف أو الفرد بالدرجة الأولى فهذه تغييرات تنظيمية يجب أن تكون في بنية الإدارة المؤسسية ولكن علينا أن نتحلى بشجاعة أن نقول «لا» لثقافة الاستعجال؛ وأن نستعيد سيادتنا على أفكارنا وطريقة عملنا.
ولهذا كله أختار الانتباه للعمل الواحد اختيار العارف والمجرب. أعلم أنني بهذا الاختيار أبدو أبطأ في عيون من يقيسون الجدارة بسرعة الاستجابة، وأعلم أني في نظر كثير من المسعورين عديمة المرونة والرشاقة agility. وأعلم أن أوساط العمل تكافئ الموظف المتاح الدائم قبل أن تكافئ المتقن. لكنني أراهن على أن الزمن حَكَمٌ عادل في هذه المسألة وأن الزبد يذهب جفاء. والتركيز في عصر فقر الانتباه، لم يعد مجرد أسلوب في العمل ولكنه صار موقفًا من العالم وصيانةً للعقل من أن يتحول إلى ساحة مستباحة.
كتب مقترحة:







