أثناء قضاءنا إجازة ماضبة بين كاليفورنيا والمكسيك، وبينما كنا نشرب قهوة الصباح في أحد مقاهي كاليفورنيا استوقفتني لافتة صغيرة أمام عيادة مجاورة. احتوت تلك اللافتة هذه الكلمات كما في الصورة: “age gracefully on your terms”، وأترجمها: تقدم في العمر بأناقة بشروطك أنت. أثارت هذه اللافتة بداخلي انزعاجًا شديدًا فهمت أبعاده من اللحظة الأولى لقراءة الإعلان. وأتذكر أني قلت لزوجي وقتها: يا للجرأة على الله !
فالأمر يتجاوز حدود الغرور البشري المعتاد، ليضرب في عمق المنطق الذي تتبناه العبارة؛ فقد تقصدت العبارة أعم تجربة إنسانية، وهي التقدم في العمر، لتحولها من طبيعة بشرية مشتركة إلى منتج تجاري ينادي الفرد باقتنائه كتجربة ضرورية خاضعة لشروطه الخاصة أو لنقول لشروط السوق، مجددًا يا للجرأة على الخالق.
تتخذ هذه العبارة من لغة العلم والتطور في الطب التجميلي قناعًا يتجاهل حتمية تتجاوز إرادة البشر مهما بلغت علومهم. تتجلى الحيلة هنا في تحويل الشيخوخة إلى أداء خاضع لتقييم الفرد وتصنيفه اجتماعيا واقتصاديا؛ فبمجرد تحويلها إلى قرار فردي -يخضع لشروطك-، تصبح كل علامة طبيعية للتقدم في العمر إدانة مباشرة ودليلا صارخًا على التقصير في العناية بالنفس.
مارس الطغيان القديم ضد المرأة سلطته عبر تهميشها بمجرد تقدمها في السن، حاملًا رسالة قاسية تعتبر شيخوختها نهاية لوجودها المؤثر. واليوم اتسعت دائرة هذا الطغيان ليخبر المرأة أن لا تشيخ أصلًا، ليتحول مسعى مواجهة الشيخوخة ومقاومتها إلى مشروع استهلاكي مرهق، وسلسلة من الإجراءات الطبية باهظة الثمن، تستنزف أموالًا طائلة للهروب من حقيقة بيولوجية مؤكدة. وهكذا استحال التقدم في العمر إلى عبء يومي يتجدد كل صباح أمام المرآة مع تغذية مستمرة بوجود إمكانية لوقف هذا التقدم بالعمر على شروط الإنسان. وجود هذه الإمكانيات المفرطة هي عين ما يحذّر منه بيونغ-تشول هان في كتابه: مجتمع الاحتراق النفسي. يسمّي هان هذا الجهد الذي لا طا~ل منه (استغلال الذات لذاتها)، ويراه أشدّ فتكًا من كل استغلال خارجي، لأنه يرتدي ثوب الاختيار والرضا. وتتحول وفرة الإمكانيات كل صباح إلى حرب تشنّها المرأة على جسدها ووقتها ونفسها، حتى تستنزف طاقتها والتي كان من الممكن بذلها في تقبل الحقيقة البيولوجية والتي لن يفر منها أحد.
تمثل هذه اللافتة امتداد صريح لواقع الطب الحديث وطمع الانسان؛ حيث تقدم هذه الصناعة اليوم وعودًا تتجاوز نضارة البشرة ومقاومة التجاعيد لتضمن سنوات ممتدة من العافية والشباب وهوس بالعمر البيولوجي للجسد. يبرز في هذا المشهد الملياردير براين جونسون الذي ينفق الملايين سنويًا لقياس العمر البيولوجي لأعضائه. دعا هذا الرجل إلى تأسيس دولة لطول العمر متحررة من القيود الطبية التقليدية، سعيًا للهروب المطلق من الموت، ليصل قريبًا إلى مرض مناعي في المعدة رغم كل الاحتياطات والاجراءات الصارمة التي بذل الكثير من المال والجهد ليصل إلى حالة مثالية متخيلة لجسد لا يشيخ ولا يموت متجاهلاً حقيقة بدهية بل ومفرطة في البداهة أن الخلايا صُممت لتموت والجسد البشري في هذه الحياة خلق من أجل الزوال والموت.
يعكس هذا المسعى المحموم عنادا بشريًا قديما ومحاولة مستمرة عبثا للوقوف في وجه المسار الطبيعي للحياة. عبر جلجامش بحار الموت بحثًا عن عشبة تعيد إليه شبابه، لتسلبه إياها أفعى في طريق عودته. وثقت كل حضارة تقريبا نسختها من هذه الأساطير جاعلة منها تحذيرًا صريحا من مغبة الكبرياء البشري ورفض الفناء.
أما اليوم فيتجلى الفارق في النبرة المصاحبة لهذا السعي؛ فقد تحول باحثو الخلود من أبطال أسطوريين متمردين في العصور الغابرة إلى مؤثري منصات ووعاظ عافية في عصرنا الحالي. فقد نجح العصر الحديث في تحفيز هذا التمرد ولكن غلفه بغطاء العناية الشخصية والاهتمام بالنفس، وهنا الخطر، أن تعتقد أن إحجامك عن إجراءات مقاومة الشيخوخة أو الطب التجميلي بشكل عام هو إهمال في العناية بالذات.
تظل الرغبة في التمتع بصحة جيدة حاضرة وقوية، ويستحيل علي إنكارها أو تجريمها، وهي رغبة طبيعية تنبع من حب الحياة الفطري المتأصل في نفوسنا. يترك الانحدار الجسدي البطيء وضعف الجسد أثراً قاسيا لا يمكن إنكاره، ويمثل الطب الذي يمنحنا سنوات من العافية والقوة وصفاء الذهن نعمة يقر بها الجميع. ولكن تتجه خصومتي الحقيقية هنا نحو ذلك الوهم الذي يغلف هذه الرغبة الصادقة؛ الوهم الذي يصور الشيخوخة خيارًا شخصيًا، ويعتبرها هزيمة أو استسلام، فارضًا عبئا نفسيا ثقيلًا وصامتا على الناس والمرأة خصوصا.
تتضح هذه الإشكالية ببراعة في فيلم الخيال العلمي (In Time) ، حيث يتخيل المخرج نيكول عالمًا ديستوبياً، الوقت فيه هو عملة التداول ورأس المال، عالمًا يتوقف فيه نمو الجسد عند سن الخامسة والعشرين. تترك الوجوه المتطابقة في الفيلم أثرًا مرعبا عندما تشاهده؛ حيث تقف الجدة والأم والابنة والأب والجد جنبا إلى جنب بملامح متشابهة تمامًا في المرحلة العمرية وبشرات نظرة في الخامسة والعشرين، ليفقد الناظر القدرة على التمييز بينهم وبين تراتبيتهم. لا يرتكز الفلم على هذه النقطة -لم يعجبني تنفيذ الفلم فنيًا ولا نصًا رغم براعة الفكرة وروعتها-، ولكن لا يمكن للمشاهد بعين متفحصة إلا أن يلاحظ كيف يكشف هذا المشهد السينمائي عن الدور الجوهري للشيخوخة: الحفاظ على الزمن مقروءاً وظاهرًا على ملامح الإنسان.
يمثل الوجه المتجعد سجلًا حيا يوثق سنوات مضت، ويحمل شهادة متفردة على تجارب الحياة وأحزانها ومسراتها. وللأسف يؤدي محو هذه الشهادة إلى خسارة تتجاوز طمس التجاعيد لتصل إلى فقداننا القدرة على ترتيب الإنسان في سياقه التاريخي ومقعه من الأجيال. تستمد مهابة الجدة ووقار الأم إيقاعها من فوارق بصرية تدركها العين، وبزوال هذا التعاقب الطبيعي، يتحول العالم إلى مساحة مبتورة الجذور فقيرة التنوع والتلاقح. لماذا يختار الإنسان برعونة أن ينتزع صورة الجسد الحية عن رحلته في نهر الزمن؟ إن التدخل لتعديل هذا الوجه وفقًا لمعايير خيالية إلى العبث بالسجل البشري وتزويره، ويستبدل سجلا حافلًا بالتعاقب والتجارب والمسرات والخيبات بحاضر أبدي جامد وباهت.
يؤسفني أننا انخرطنا جميعًا بدرجات متفاوتة في هذا الفخ؛ يقف الرجل الذي يحلل بيانات نومه والمرأة التي تتفحص زوايا وجهها في خندق واحد، ليخوضا حربا مشتركة ضد الحقيقة التي تجمع البشرية جمعاء: حقيقة التقدم في السن ثم الموت. يتجلى الرعب هنا في منح الفرد شعورًا زائفا بالقدرة، مع افتراض جوهري يعتبر الشيخوخة مشكلة طبية تستوجب الحل أصلًا.
تتجاوز تأملاتي هذه فكرة التجميل والطب ومقاومة الشيخوخة لأعود إلى فكرة تأصيلية تحل كثير من مشاكلنا المتفاقمة في التمسك بالشباب والمتع والأيام الجيدة عمومًا، وهي شيء تحدث عنه فرويد في مقاله On Transienc، مخاطبا صديقه الذي فقد القدرة على الاستمتاع بجمال الطبيعة لإدراكه حتمية زوالها. قدم فرويد منظورًا غير متشائم يرى في الزوال منبعًا حقيقيا للقيمة ويزيد من تعظيمها وبهجتها. تكتسب الزهرة جمالها وقيمتها من ذبولها المحتوم، وتمنح الندرة الزمنية أو محدودية الوقت التي يفرضها الموت على مسار الحياة متعة مكثفة.
أعتقد أننا يجب علينا أن نبني علاقة أكثر نضجا وتصالحًا مع الزمن. أن نشيخ بالشروط التي وضعها الخالق عز وجل ضمن الإطار الوحيد الذي يستحق العناء؛ وهو أن أتمدد مع سنوات عمري بالكامل وأعايشها بعمق. أن أسمح لوجهي بحفظ سجل رحلتي، متقبلة كوني حلقة طبيعية في سلسلة الحياة المتصلة المتدفقة، وتاركة خلفي وهم التمثال الجامد المعزول عن الزمن والتجارب. فبينما تروج تلك العيادات للهروب من الحالة الجوهرية التي تمنح التجربة الإنسانية معناها الحقيقي دعونا نعود لجوهر التجربة الإنسانية على هذه الحياة الدنيا ونفهم أن الزوال والعطب هنا هو الأصل والخلود والخلو من العيوب هو من شأن عالم الجنة فقط.
أنهيت قهوتي وقد صارت في نهايتها باردة بشكل طبيعي، وسرني جداً أنها أخذت دورتها الكاملة وبردت. وعلينا نحن أيضًا أن نتقبل الدورة الطبيعية للحياة.



