عن معنى الحياة.

Date
يوليو, 02, 2021

بعث ويل ديورانت إلى مجموعة من الشخصيات الشهيرة ممن يقدر ذكائهم رسالة و تساؤل يحيط بويل الذي قضى خمسين عامًا يدرس التاريخ ويكتب عنه. ذيل رسالته بــ : “أطلب منك كشخص عاش وفكر أن تساعدني على الفهم، فلربما يكون حكم الذين عاشوا الحياة مختلفا عن رأي الذين اكتفوا بالتفكير فيها. امنحني لحظة من وقتك لتخبرني مامعنى الحياة بالنسبة إليك ، ومالذي يجعلك تستمر فيها؟ وما العون الذي تقدمه لك الروحانيات ؟ وما مصدر إلهامك وطاقتك ؟ وما القوة الدافعة لكفاحك؟ وما الهدف منه ؟ وأين تجد عزاءك وسعادتك ؟ وأين تكمن حصيلة حياتك كملاذٍ أخير؟ أجب بإيجاز إن كان لابد من ذلك ، واكتب مطولًا وبحسب راحتك إن أمكن ، فكل كلمة منك ذات قيمة كبيرة لي.”

الكتاب الذي وردت فيه الرسالة و بعض ردود من تلقاها.

لقد هيجني سؤاله وكأنه تسلل إلى داخلي أو مس روحي، وتخيلت لو أن ويل أرسل لي هذه الرسالة وطلب مني إجابة، هيضتني هذه الفكرة على أن أبحث في نفسي عن المعنى، لأن أتبصّر في ماضيّ وتطلعاتي للمستقبل.

لا أزعم يا ويل أني عشت الحياة بل ربما أنا مثلك -في أحيان كثيرة- فكرت فيها أكثر من ما عشتها.. ولا أزعم أني أحطت بالمعنى ولكني في محاولات دائمة للفهم وبحث مستمر ومتجدد عن المعنى الذي بدوره يتكشف ويتجلى بعد كل تجربة نخوضها طوعًا أو كرهًا.

إن فهمي للحياة بالمقام الأول ينبع من إيماني بديني الذي شكل لي معناها وكون لي صورتها العامة وهدفها. وهذا الإيمان ذاته الذي يجعلها محتملة في معظم الأوقات الصعبة. إن الحياة متبدلة ومتغيرة على الدوام ولكل منّا نصيبه الذي يناسب مقاسات احتماله من الألم والمرض والنصب والنقص والحاجة. إن أفضل فترات حياتي هي تلك التي كنت فيها على اتساق تام مع حقيقة أن الحياة بنيت على أساس المشقة والسعي لا النتائج، بإدراك عميق للآية الكريمة “لقد خلقنا الانسان في كبد”. حينها تستكين نفسي و تعي تمامًا أن الهدف هنا ليس الراحة المطلقة وإنما مجموع استراحات بين مصاعب وتقلبات ومنعطفات.. إن معنى الحياة بالنسبة لي يتجلى في صغائر اللذات إذ أنه بدون التلذذ بالقليل لن يستطيع احد ما أن يتلذذ بالكثير.. وأجد أني في كل مرة أغفل ذلك تتجه روحي للهاوية ويغيب عني المعنى الأساسي والأصيل وتلهث نفسي خلف الزائف والزائل. إن الحياة هي كل شيء نمر به من أُنس وأسى، رضا وسخط، إيمان وشك.. إن الحياة رحلة للسعي والبناء من أجل دار القرار بالمقام الأول. إنه من الصعب جدًا يا ويل أن أختزل الحياة في معنى واحد. فالمعنى يتغير ويصبح أكثر عمقً حسب نضجنا والتجارب التي نخوضها والظروف التي نعبرها ،نخرج منها بمنظور مختلف. إن الحياة مجموعة معاني تتكامل مع بعضها البعض لتحقق التوازن المنشود أو بعضًا منه. إنها في الهدف السامي الذي خلقنا من أجله٫ وفي التفاف العائلة، ومواقف الأصدقاء، والصحة بعد المرض، والغنى بعد الفقر، وكل لحظات الحسرة والانشراح والبكاء والطمأنينة. إن الحياة تكمن في تجاربنا غليظها ورقيقها وكل رحلتنا للعبور من خلال هذه المحطات ماهي إلا الحياة إن كففنا عن التطلع بشكل دائم للخلاص من هذه الظروف غير مدركين أن هذه التجارب وحدها من ستعيد صياغتنا٫ وتشكل سياق وسرد مختلف و جديد لقصتنا. إن الحياة مبنية على التغيير والتقلب إذ أن الخلود والدوام لم يُخلقا لهذه الحياة، لذلك كان لزامًا علينا أن نتغير والتغيير الحقيقي يا ويل يكون بعبور التجربة بكل مافيها ومهما قرأنا وتحدثنا عن تجارب الآخرين وحكمهم ومهما نظّرنا إلا أن التغيير بعد التجربة أو المشاهدة الشخصية لا يعادله أي تغيير.

إن مايجعلني أستمر في هذه الحياة شيء لا أستطيع التعبير عن كنهه. وكأنني مسيرة إلى أقداري ومدفوعة إلى تجاربي، إن ما يعينني على الاستمرار – وليس الاستمرار بحد ذاته لأنه لا يد لي فيه- هو وجود الله وأني أؤمن به وأدين له بالوحدانية أولًا، ثم التطلعات إلى المتع الصغيرة مما يزيد من احتمالي للحظات الصعبة. كأن أمني نفسي بكوب قهوة أو عصير بطيخ بعد فحوصات مستشفى مرعبة. كما أني أجد نفسي تواقة لتجربة الجديد بين الحين والآخر ويتجسد ذلك في أشياء رخيصة مثل نوع شاي جديد والتمتع برائحته. إن دافع الاستمرار يختلف بحسب الظروف ففي أيامي الحالكة أجد أن دافعي هو عبوري هذه المرحلة بنضج وتغيرات أفضل، ثم حديث الأصدقاء والأهل الداعم.

إن سؤالك عن الروحيات يفتح لي باب لا ينغلق، فأجد أني مدفوعة للإيجاز رغمًا عني حتى لا يتحول الرد إلى كتاب. إن ما ينقذني هو إيماني بالله وكل الغيبيات. الإيمان بكلامه، ، والتلذذ بقراءة القرآن. وأجد أني وبكل أسف في كل مرة أبتعد عن القرآن أصبح خاوية الروح وأشعر بالذبول. حتى أيامي تتحول إلى بيت أشباح.. وما أن أعاود اللجوء إلى الروحانيات والطاعات أجد أن روحي تزهر وتزدهر، أصبح أكثر عطاءً وأكثر حكمة وفهمًا. أقوى تجلدًا وأرق قلبًا. إنني باختصار شديد ياويل لا أحتمل الحياة بدون الروحانيات والتي أعتبرها بدون شك هدايا الإله لعباد ضعفاء. ولست أفهم حقًا كيف يمكن لأي شخص التجلد و الصبر و الاحتمال بدون الإيمان بوجود الله العزيز ووجود جزاء وعقاب فالأول دافع و الثاني رادع. إن وجود الروحانيات في حياتي تجعلني أؤمن بتحقق العدالة مما يجعلني قادرة على أن أطيق ما لا يطاق.

إن ما يلهمني يا ويل هو القراءة والاطلاع والفن والتأمل والسفر والترحال. بدون القراءة أشعر وكأني أضمحل وتجربتي تصبح هامشية جدًا. أما بالقراءة أشعر أنني أتجدد وأتمدد وأتسّع. سطور الكتاب تلهب عقلي وتمنحني أبعاد مختلفة لم تكن لتخطر على بالي الضيق بدون القراءة.. أما التأمل في طبيعة الله والسماء الشاسعة والبحر المتحرك على الدوام والشجر والأرض الخضراء و الصوت الجميل فهو وقود وعلاج. في كل مره أطلق نظري لنجوم السماء وارخي سمعي لأمواج البحر البعيد أجد أن سليقتي تتجدد وكأنها تعود إلى حالة مألوفة وفيها الكثير من المسرّة والسكون. أما السفر ياويل فهو يوقظني إلى حقيقة أن هذا الكون أوسع من تصوراتي، واختلاف البشر سنة ماضية لا محالة. إن السفر يضيف إلى معنى حياتي الكثير بالقدر الذي يضيفه الاستقرار. إنها حاجة أكثر من كونها ترفيه. لشخص مولع بالتاريخ مثلي يمثل السفر رحلة مجانية لتشمل الأماكن التي قرأت عنها أو عاش فيها قادة أو أدباء، شعراء وفنانين. إنها فرصة ذهبية للانغماس في مكان جديد وطقوس جديدة. ويل أود أن أقول لك شيد أخير في هذا الشأن، إن مصادر الطاقة والالهام متجددة بحسب الظروف و التغيرات التي نمر بها والمسؤوليات التي نحملها والطموحات التي نسعى لها.

وما القوة الدافعة لكفاحك؟ وما الهدف منه؟

توقفت عند هذا السؤال طويلًا يا ويل، أظنها غريزة البقاء والتي تظهر مرة على شكل حب العائلة، ومرة على شكل شغف يزدهر ويخبو. ومرة بالرغبة في تحقيق أثر مستدام وطيب في محيطي. هذه أنا دومًا أشعر باختلاف دوافعي وأظن أن هذا اعتيادي وطبيعي لشخص يرى معنى الحياة كما أراه.

وأين تجد عزاءك وسعادتك ؟ وأين تكمن حصيلة حياتك كملاذٍ أخير؟

أما عزائي ياويل فهو ينصب في حقيقة أن هذه الحياة ومن فيها إلى منتهى، سنصحو يومًا يعد الموت وتبدو لنا كل هذه الأيام كالوهم أو الحلم، وكأنها سويعات من نهار. عزائي أن المر سيمر وسنتجاوز طال الوقت أم قصر. عزائي في سطر كتبه المسيري :”كل الأشياء الجميلة تنتهي، كل الأشياء الحزينة تنتهي”.

أما عن سعادتي فأنا كبرت بمافيه الكفاية لأدرك أنه لا توجد سعادة بمعناها الاصطلاحي في هذه الحياة أو على الأقل لا يمكن وصف الحياة بمجملها هنا سعيدة إذ أنها جُبلت على الكبد والكدر. والسعادة فيها حالة مصيرها الزوال، كما أني قرأت القرآن ولا تقترن كلمة السعادة بوصف الحياة الدنيا، إنما أجدها مقترنة دائما بالحياة الآخرة ومصير العبد فيها شقي أو سعيد. وهذا منطقي جدًا إذا كانت هذه الحياة ستنتهي فمن الطبيعي أن تُدّخر السعادة بمطلقها إلى حياة الخلود والثبات. إن كل السعادات العابرة التي حصلت عليها في حياتي كانت بسبب أهلي وزوجي والأحفاد والأصدقاء ثم نجاحاتي. وقبل هذا ذقتها في كل مرة شعرت برضا الله عني أو دعوات استجيبت، إنها تمنحني سعادة وبهجة هائلة يمكنني أن أحيا بها زمن طويل. إني أفضل أن استبدل السعادة التي يُروّج لها كثيرًا بالطمأنينة والسكينة فهذا ما تعلمته عن هذه الحياة في القرآن الكريم. الطمأنينة شعور يصاحبك في أيام الرخاء والشدة، الطمأنينة والسكينة شعور مستدام أكثر من سعادة بنت ساعتها. ربما بسبب إدراكي المبكر لهذه الحقيقة لم أعد أبحث عن السعادة إنما عن الطمأنينة والسكون والاتساق مع ذاتي ومبادئي. وكل ما يزعزع ذلك يزعزع من معنى حياتي.

سبتمبر 22, 2021

نوال القصيّر

11 Comments

  1. رد

    NASSER

    يوليو 2, 2021

    “لا يمكن وصف الحياة بمجملها هنا سعيدة إذ أنها جُبلت على الكبد والكدر.” 👌🏻
    الله يرزقنا السعادة في الدارين

  2. رد

    خوله الصوينع

    يوليو 2, 2021

    “بدون القراءة أشعر وكأني أضمحل وتجربتي تصبح هامشية جدًا. أما بالقراءة أشعر أنني أتجدد وأتمدد وأتسّع..”

  3. رد

    Jenan AlMohaimeed

    يوليو 3, 2021

    جاءت تدوينك في وقت قد سئمت فيه من إنقاذ نفسي، وتركتها لأول مره تعيش هزائمها بدون مقاومة، لعلها بعد ذلك “تلقَى هُنَاكَ إلَى الطريقِ طرِيقا”..
    أوافقك في أن الطمأنينة هي المكسب، ولأني أعتقد أن الكراهة/المنع طريق يسر لزعزعة الطمأنينة، فإني أوافق الرافعي عندما قال: “الفرح يا ابنتي هو شعور الحي بأنه حي كما يهوى، ورؤيته نفسه على ما يشاء في الحياة الخاصة به” وهذه من معاني الحياة بالنسبة لي.

    توقيتك جميل.. صبحتي باللخير نوال ❤️

  4. رد

    Arwa

    يوليو 5, 2021

    ما أجملك وما أجمل تدويناتك يا نوال..

    أحب التفكير في معنى الحياة وتأملها وتأمل البشر…
    وتأمل كل المشقة والتعب والراحة المؤقتة بعدها وتكرار هذه الدائرة تخليني أقول This is life بإبتسامة هادئة..

    الله يرزقنا الطمأنينة جميعا يا رب ❤️

  5. رد

    جود

    يوليو 15, 2021

    بالوقت المناسب ! 🥺
    مر زمناً عن قراءة مدونات وهذه خير ما ابدأ فيه بعد غياب !! استوقفتني عدة مقتطفات من هذه الكلمات الرقيقة .. ما اقول غير الله يرزقني القدرة على التعبير والكتابة 💘
    الطمأنينة شعور يصاحبك في أيام الرخاء والشدة، الطمأنينة والسكينة شعور مستدام أكثر من سعادة بنت ساعتها.♥️♥️♥️♥️♥️

  6. رد

    عدي

    يوليو 18, 2021

    تجلي مع الذات ومع الخالق، في لحظة صفاء ذهني ، تعبر المدونة عن ما يعتمر في كثير من النفوس… من نحن؟ ومن نكون؟ والي اين نسير ؟ …

  7. رد

    عدي

    يوليو 18, 2021

    تجلي مع النفس ومع الله، بصدق وعمق وشفافية، هو السؤال مصيري الدائم… من نحن؟ الى اين؟ ماهو المصير؟…. هل كل شيء نسبي؟ ما سر الوجود… طرح موفق وسلس وبلغة السهل الممتنع.

  8. رد

    Fatima

    أغسطس 30, 2021

    أنتي شخصية جميلة جداً، كلماتك رسمت لي شخصيتك بطريقة رقيقة وعميقة في نفس الوقت، تقبلي خالص إحترامي لشخصك الكريم.. سعيدة إني حظيت بلقاء روحك من خلال كلماتك .. 🦋💐

  9. رد

    أحمد

    سبتمبر 2, 2021

    “ربما بسبب إدراكي المبكر لهذه الحقيقة لم أعد أبحث عن السعادة إنما عن الطمأنينة والسكون والاتساق مع ذاتي ومبادئي”
    بالفعل.

  10. رد

    somayah Alshehrie

    فبراير 6, 2022

    أثر فيني المقال جداً ..
    دُمتِ بخير وسعاده

  11. رد

    Albandre

    مارس 29, 2022

    كلاماتك بكتني ،، شكرا لك وشكرا لعقلك المنطقي ولكلماتك الي تاثيرها يقع على القلب ، وجزاك الله خير ❤️

Leave a comment

Related Posts

لمحة

بكل عاديتي وبساطتي وتعقيدي أكتب وأدوّن حتى أنمو أولاً ومن أجل الأثر ثانياً. مدوّنة نوال القصير عمرها طويل فقد ولدت في عام ٢٠٠٦ تعثرت كثيراً وهُجرت أيضاً ولكنها شهدت أعوام من الالتزام بالكتابة. تطوّرت وتراجعت ثم عادت للحياة مرات كثيرة كنبتة جفّت ثم انعشها المطر. أكتب عن الكتب والقراءة، عن كل المفاهيم والقيم التي أعيشها أو أرغب العيش بها ومعها. مدونة للأيام الجيدة والسيئة.

موصى بقراءته