خمسة أشياء شكلّت مني هذا الإنسان اليوم.

 

عاشر تدوينة في تحدي التدوين لشهر أبريل 2016: دوّن عن خمسة أشياء شكلت منك هذا الإنسان اليوم.

جميع ما نمر به يشكلنا بطريقة أو بأخرى. يساهم في تكويننا وتغذية عقلنا وتحديد تصرفاتنا وردات فعلنا. الأهل الأصدقاء, الأشخاص الذين تلازمهم طويلا. الكتب التي تقرأها.. ماتشاهده وما تسمعه.. البيئة بأكملها تشكلنا شئنا أم أبينا. سأتجاوز البديهيات في ما شكلني، الطفولة، التعليم، البيئة الخ .. وسأتحدث عن الأشياء العريضة التي جعلتني إنسان هذا اليوم.

القرآن:

Quraan

لن أتحدث كثيرا، فلقد سبق وكتبت كثيرا عن كيف أصبح القرآن مشكلا لمعظم حياتي وأفكاري. وأحب ذلك كثيرا، وأتمنى أن أكون أفضل في ذلك. لقد تحررت كثيرا من التفاسير، والإطارات البشرية التي يقدم بها القرآن .. هجرت كل هذا واتجهت للقرآن أولا. تغيرت أنا في معاملتي للقرآن فاختلف كل شيء من حولي. أصبح للأشياء قيمة أكبر، وللمعروف بُعد آخر عندما أصنعه لأحدهم. إن القرآن في حياتي بمثابة نقطة العودة أو Check point كلما شعرت أني أضعت الطريق، وأضعتني أنا فيه، أعود لهذا الكتاب فأشعر بأني بدأت أجد نفسي وسط كل هذا الزخم والفوضى من جديد. عرفت الله حقًا من خلاله ، وليس بالصورة التي قدمها الآخرون عنه. أدناه تدوينة أدعوكم لقرائتها، تصف تحولي بعد ما قررت الاقتراب أكثر من القرآن بدون أحكام مسبقة:

week 23 | شفاء للروح

 

القراءة و الكتابة:

IMG_6848[1]

غيرتني القراءة كثيرًا دون أن أشعر أو أخطط لذلك. لقد أحالتني إلى شخص مختلف عن ماكنته. ومن الجميل جدًا أن الكثير من هذه التغيرات أصبحت ثابتة، ومن المخيف أيضًا أن بعضها الآخر يتلاشى حين أبتعد عن القراءة. حينما أقرأ أشعر أني في داخل مغامرة، أكون في وضوح أكثر مع نفسي ومع العالم حولي. ساعدتني أن أكون أكثر جرأة في طرح رأيي، وأكثر ثقة أيضا. تعلمت أن أقرأ لأجعل هذا الكون أفضل، لأكفي هذا العالم عناء أحمق وجاهل آخر. لقد منحتني القراءة عمقًا في تفكيري لم أعهده من قبل. من خلال الكتب والقراءة تعلمت معنى السفر وسافرت قبل أن أسافر فعلا. انتقلت إلى عوالم أخرى في الماضي والمستقبل. لقد شكلّت مني إنسانا لم أحلم أن أكونه. أكثر سلاما من ذي قبل، أكثر نضجا من السابق. لقد دفعتني القراءة للتغيير وصناعة الأثر بأبسط ما يمكنني أن أقدمه . لقد اتسع عالمي فعلا، وباتساع عالم الشخص يمكن أن يصنع الكثير تجاه نفسه. حينما كنت أصنع تحديات للقراءة كنت أشعر بالانجاز والتحفيز الذاتي، هذا الشيء الذي يقودني لأكون أبعد عن الملل والاكتئاب، يبعدني عن الرتابة ويقربني إلى الثقة بالنفس. لقد ساهمت القراءة بصناعة رأيي دون تلقين، بخوض معارك صامتة مع الكتاب هذبتني بشكل أو بآخر. وحدها القراءة علمتني بهدوء كيف يمكن أن أتقبل الآخر وأن لا أرفض الجديد بسرعة، أن أبتعد عن الصراعات والنقاشات العقيمة.

IMG_0177

ولأني أقرأ اصبحت الكتابة حاجة ماسة لأشارك ما أقرأه، لأصنع نصّا يحكي عن الكثير بداخلي والذي لولا حصيلة القراءة المستمرة لما استطعت صياغته كما أفعل الآن. أهدتني الكتابة الكثير، أهدتني أصدقاء كتابة أطل عليهم بين الحين والآخر ، أستأنس بحديثهم وربما يستأنسون بحديثي .. لقد جعلتني الكتابة قادرة على إيصال صوتي، إلى أماكن بعيدة وأشخاص لا أعرفهم. حين أصبحت أكتب، أصبحت الحياة أخف وطأة فأنا لدي ركن أنقل فيه ما يجول في داخلي وما أود إيصاله صحيحا كان أم خاطئاً. لقد فعلت بي القراءة والكتابة مالم أخطط لفعله. لذا كانت من الأمور التي يصعب علي التخلي عنها وأعود لها دائمًا.

ثرثرة عن القراءة والكتابة وماذا فعلت بي في تدوينات مختلفة:

القراءة.   |  ختامه ( اقرأ )  | اكتب لكل شيء ومن أجل كل شيء

 

الانترنت:

DESKME

نعم الانترنت، والمدونات، رحلة حياة سابقا، منتديات الفنون البصرية، الانفتاح المعرفي الذي تعرضنا له بعد الانترنت. الشبكات الاجتماعية وجميع من عرفتهم خلال الانترنت وجميع ماتعلمته شكلني لأكون هذا الانسان اليوم. أصبحت المعلومة أسهل ومتوفرة. تعرفت على الآخر, تعلمت اللغة الانجليزية بشكل أفضل وأسهل وأرخص. تعلمت ماذا يعني مشاركة الآخرين ما تملكه، وشكرهم على ما يقدمونه لك ممن وقت لصياغة مقال أو مشاركة تلميحات في كل المجالات. لقد نقلني الانترنت من عالمي الخاص الصغير والضيق إلى عالم أكبر، حيث يمكنني البحث في كل ما أريد، وصياغته داخل مصنع أفكاري، خولني إلى أن أكون الشخص الذي تعرفه ولم تقابله يوما. لقد صنع مني إنسانا يفضل الانتاج على البلادة. الانترنت قدم لنا الكثير في صناعة الفرص والتغيير والأثر . فلكم غيرتني مقالة، أو صورة أو كلمات من قراء، أو من كتّاب. أتذكر تمامًا التغيير الكبير الذي أحدثه الأستاذ أحمد العثمان -الذي لا أعلم له أي تواجد الآن :(- ، بافتتاحه مجتمع اسمه “رحلة حياة” كان ساحر ومليء بالناس الملهمة، وشرطه الوحيد للانضمام أن تبحث عن التميز في داخلك، وتكف عن نقل المحتوى وتبدأ في صناعته. إلى كل من يعرف ذاك المكان سيعي تماما ما أتحدث عنه.. لقد أتاح لي الأنترنت أن أصل بصوتي إلى ما لم يمكنني وصوله من قبل، أن تأتيني رسالة من أخت كريمة من المغرب العربي تقول أنها تقرأني بشغف وتتغير بقراءة ما أكتب ! هه كيف لي ذلك وأنا ذلك الشخص العادي المغمور. عرّفني الانترنت على العديد من الصداقات الثمينة في حياتي، على أناس ملهمين ويحبون التغيير ويصنعونه. مع الانترنت أصبحنا جميعا أمام ذات الفرصة من التطور والتعلّم والحصول على فرص لاتعد.

الثقة بالنفس واحترام الذات:

Photo Nov 13, 7 41 19 PM

لقد كنت في منطقة مظلمة جدا قبل ذلك. كنت أكره نفسي ودائما أنظر لها بشيء من الازدراء. لم يحدث يوم أن تجرأت ونظرت إلى المرآة بحب، فكل ما أراه هو عيوبي التي يضخمها المجتمع والإعلام  بوضع مقاييس سقيمة للجمال وقبول الذات. لم أقبل ذاتي كما ينبغي فتأخرت كثيراً. لم أكن أعي أني فعلا أستحق أفضل ما يوجد، ويجب أن أسعى له. وهذا كله جعلني في أوضاع حددتها أفكاري وأفكار المجتمع الذي حولي تجاه نفسي مسبقا.. “اقبل بأي شيء ، اقبل بأي عمل ، بأي زوج، مد رجولك على قد لحافك الخ “.. تغير كل ذلك بعد القرآن والقراءة وجلسات وصراعات صريحة مع الذات، بدعم أصدقائي الذين شكلوني أيضا.. تحررت من كل غباء الأفكار التي يروج لها أغبياء المجتمع، لم أعد أقبل بمادون الأفضل.. أدركت أن الشخص الذي يرى الجمال كمضمون دون مقاييس ومعايير مهلكة هو من يستحق وقتي واهتمامي.. القادر على تجاوز عيوبي التي لم أستطع حتى الآن تغييرها هو من يستحق أن أمضي معه ماتيسر من وقتي. تعلمت أن أحب نفسي قبل أن يحبني أي أحد، أختار لها الأفضل وأربأ بها عن كل ماهو دونها. روحي من روح الله ونفسي بأمره فلماذا أعرضها لكل هذا الاستنقاص. ملئت نفسي بكل ما ظننته ينفعني فامتلأت أعين من حولي بي. احترمت نفسي، احترمت أين أضعها ومع من أضعها.. أدركت أنه ليس علي أن أكون كاملة حتى أشبع رغبة أحدهم، علي فقط أن أسعى لتصحيح ما أخطئ به لإرضاء نفسي فقط بعد الله. أما الناس فلن يرونك إلا كما يريدون. توقفت عن القبول بالأقل خشية أن يفوتني كل شيء. لكني تعلمت مع مرور الزمن أن قلة الفرص لا يعني انعدام جودتها. لم يعد يلاؤمني أشخاص متذمرين بشكل دائم، لم يعد يليق بي شخص كل مافي جعبته “الحش وانتقاص الآخرين” .. لم يعد يجمع بيني وبين الأشخاص سوى ثقلهم الروحي والمعنوي. تصالحت مع ذاتي كثيرا. لم أعد أذم نفسي كما قبل. لا استصغرني ولا أعطي نفسي أقل أو أكبر من حجمها.. قبلت نفسي وأحببتها ولازلت أصارع من أجل ذلك، من أجل أن أحبها أكثر.. فمتى ما أحببت نفسك عرفت كيف تختار لها وتنتقي. أعطيت نفسي الثقة والاحترام فتقدمت أكثر من ذي قبل.

 

أخطائي وعثراتي:

Photo Nov 13, 8 17 46 PM (1)

أنا مدينة لأخطائي بالكثير.. مدينة لأن الخطأ في ديني له خط رجعة، من بعده توبة وخبرة. كل عثراتي السابقة، وأخطائي شكلتني اليوم. صنعت مني إنسان يؤمن بالتجربة، ويتحاشى تكرار الخطأ حتى لا يعود إلى المكان المظلم الذي جاء منه. كل قراراتي التي جاءت على عجالة وقادتني نحو خطأ، شكلتني بطريقة إيجابية باختياري أنا. لقد علمتني أخطائي المواجهة والتحمل، لقد جعلني الندم أتقدم في كل مرة بشكل أسرع . يصعب علي كثيرا تخيل الحياة من دون أخطاء وعثرات وندم، إنه مفهوم صعب علي قبوله.. إذ بالخطأ وحده نكبر، ونتغير.. نتشكل من جديد ونعود لذواتنا. بالخطأ نبني الخبرة ونتذكر بقوة أخطاءنا الماضية فنتجاوز الوقوع فيها مرة أخرى. بدون الخطأ لن أكون هذا الشخص القوي، الشغوف. لن أكون حذرة مع الآخرين، أن أعرف نفسي أكثر وأي طريق يحب أن أسلك. أحيانا لا يُصنع التغيير إلا بالخطأ، ولا نتعلم الدرس بالشكل الكافي إلا بالخطأ. عثراتي وأخطائي في الماضي شكلت مني هذا الإنسان اليوم. وعثراتي في الحاضر ستشكل مني إنسان الغد.

 

أدين بالكثير لجميع من صنع مني هذا الإنسان اليوم، أدين بالكثير لكل من سيصنع مني ما سأكونه غداً.

البابان: الثامن عشر و التاسع عشر

 

7 thoughts on “خمسة أشياء شكلّت مني هذا الإنسان اليوم.

  1. رائعة تدوينة اقتبست منها الكثير من الجمل الذهبية.. و أبقيت الكثير فماذا أقتبس..
    ..

    بارك الله فيك و جعلك من الفائزات في الدارين.

    Reply

  2. في الوقت الذي أبحث فيه عن كلمات تحفزني الى الأمام أتصفح هذه المدونة لأجد فيها ما أبحث عنه ، دائما ما تترك كلماتك ونصائحك أثر في داخلي ?
    شكرا نوال كنتي ولا زلتي أحد الاشخاص الذين استفدت منهم كثيرا ❤

    Reply

  3. قلة الفرص لا يعني انعدام جودتها .. فعلا عبارة واقعية مجربة بعكس كثير من الافكار النمطية التي نشأنا عليها.
    أود لو افردتي تدوينة مفصلة و طويلة عن نقطة حب الذات و احترامها ..

    تدوينة استمتعت بقراءتها ..
    شكرا

    Reply

  4. لي كم سنه وأنا أتابع تدويناتك و أحرص دائمًا على قراءتها .. أحب الايجابية فيك ونظرتك للحياة .. مستمتعة جدا بتدوينك ()

    Reply

  5. Pingback: ما جعلني أنا – نواريات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *