حول خطاب الذكاء الاصطناعي: من الذي يحمل الفأس؟

Date
سبتمبر, 14, 2026

تضج وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بصيحات التحذير العارمة من طوفان الذكاء الاصطناعي، وتتجه الأنظار بأسرها نحو المارد الرقمي الجديد وكأنه كيان هبط من عوالم مجهولة ليفترس مصير البشرية. يستهلك هذا الهلع المساحات الكبرى من النقاشات الثقافية والتقنية، ويختزل الهاجس الإنساني في مخاوف سيطرة الخوارزميات وتوغل النماذج الذكية في مفاصل الحياة اليومية وصلب معيشتنا وجوهر وجودنا. يتسابق المنظرون والتقنيون في مؤتمراتهم الفارغة لإطلاق صافرات الإنذار من وحش يوشك أن يلتهم وعي صانعه ويستولي على مقدراته، في مشهد استعراضي يجمع بين الإثارة المتكلفة والتهرب الأخلاقي غير الواضح. إذ ينزع هذا الطرح في مجمله -ولغة الطرح ذاتها- عن الذكاء الاصطناعي وأي منجز تقني سياقه البشري والتاريخي، ويخلع عليه صفة الكينونة المستقلة المتعالية، فيتحول المصنوع إلى صنم معاصر نخشى بأسه ونستجلب نذره.

تستوجب هذه الظاهرة عقلاً نقدياً متيقظا يتجاوز سطح الأحداث المثيرة ليغوص في الجذور الفلسفية والأخلاقية، مبيناً أن التساؤل الجوهري يتجه نحو الإنسان ذاته، نحو منظومة قيمه المتداعية، ورغبته المحمومة في تفويض مسؤوليته الوجودية لكائن برمجي أبدعته يداه وأنفق في تشييده عصارة فكره وعبقريته وجشعه أيضا.   

لا يمكنني الحديث عن ماهية التقنية بجميع تطوارتها دون ذكر مارتن هايدغر، حيث يرى أن التقنية أكبر من مجرد آلات ومعدات خرساء نستعملها. صحيح أننا نعرفها عادة بأنها وسيلة في أيدينا نقضي بها حاجاتنا، وهذا الوصف صادق في ظاهره، لكنه يحجب حقيقتها الأعمق. فالتقنية طريقة نرى بها العالم ونتعامل معه؛ هي التي تُملي علينا كيف تظهر الأشياء أمامنا وكيف نفهمها، فالتقنية عند هايدغر هي فعل كاشف إن صح تعبيري.

أنفق الإنسان عصارة جهده المادي والمعنوي لتشييد الذكاء الاصطناعي -وغيره- بكل تعقيداته، فالذكاء الاصطناعي يمثل خلاصة مكثفة للنشاط البشري، وامتداداً عضويا لشبكة معقدة من الرغبات، وتراكمات المعرفة. إذ تنهل الخوارزميات من سجلات السلوك الإنساني وتستمد مادتها الخام من تداخلات هذه السلوكيات المتشعبة. شيد الإنسان هندسة هذه النماذج الرياضية، واختار خوارزمياتها بعناية، ثم فتح مخازن ذاكرته وتاريخه ليصب فيها الوقود الأساسي المتمثل في مليارات النصوص والصور وسجلات السلوك. إن هذه البيانات الرقمية التي تتغذى عليها الآلات هي الحصاد الفعلي لمسيرة الإنسان، أنا وأنت، بما تنطوي عليه من قفزات وهفوات، وعدل وجور، وحكمة وسفه وطموحات وانكسارات.

تحاكي الآلة لغة البشر لأنها تشربت تراكيبهم، وتستنسخ انحيازاتهم لأنها ربت في محاضن بياناتهم، وتعكس نهمهم لأنها نشأت برعاية أنظمة اقتصادية تقدس النمو الكمي التراكمي وتجعل من الاستهلاك المادي غايتها الكبرى. ولا يسعني إلا أن أستحضر ما فهمته من مِلفن كرانزبرغ أن التقنية فعل إنساني في المقام الأول. منبهاً إلى أن التقنية تحمل قيم صانعيها، وتأبى ذلك الحياد الذي نخلعه عليها لنريح ضمائرنا.

الإنسان في مواجهة صنمه الرقمي

وإذا كان هايدغر قد نقل السؤال من الآلة إلى نظرة الإنسان إليها، فإن ما يترتب على ذلك أن المحاكمة التي نرفعها اليوم في وجه الذكاء الاصطناعي موجهة إلى الخصم الخطأ؛ صنع الإنسان الخوارزمية لكي تقوم بأعماله وصب فيها ما يعتقد أنه خلاصة وعيه وتفكيره، وأودعها منطقه ومقاييسه، ثمّ سلمها أمانة خانها هو أولا حين تخلى عن حراسة قيمه وركض ناهماً وراء السلطة والسيادة. فالعطب عطب صانعها والاعوجاج الذي نخشى منه إنما هو اعوجاج في الإنسان نفسه والرعب الذي ينتظرنا هو من صُنعِنا نحن وليس مخلوق فضائي تتحدث عنه أفلام البطولة الأمريكية البلهاء.

يمثل التهويل الحقيقي من الذكاء الاصطناعي غطاء فاخراً نتوارى خلفه لنتملص من تبعات خياراتنا الأخلاقية والاجتماعية أو جهلنا وعدم تكبدنا عناء الاختيار. فالتوجيه الدائم للعدسات نحو التقنية يحجب الرؤية عن التصدعات الهيكلية في المنظومة القيمية أصلاً، وينزع عبء المسؤولية الفردية والجماعية. يشخص نيل بوستمان مثل هذه الحالة ببراعة في كتابه: “تكنوبولي: استسلام الثقافة للتقنية” ولا أعرف له ترجمة للعربية بكل اسف، مستنتجاً أن الثقافات التي تتحول إلى تكنوبوليات (أي احتكار التقنية) تعيد هيكلة مؤسساتها ومعاييرها لتخدم الآلة، وتمنح التقنية سلطة تشريعية وأخلاقية وتأتمر بأمرها. يوضح بوستمان أن تسليم مقاليد التوجيه للتقنية ينشأ أصلاً عن عجز المجتمع البشري عن حراسة قيمه ومعانيه الروحية، مما يدفع الأفراد نحو الارتماء في حضن الكفاءة التقنية هرباً من وعثاء التفكير النقدي وتحمل عبء الاختيار الأخلاقي الصعب. إن رعب الإنسان من الخوارزميات هو في جوهره رعب المرء من مواجهة صورته القبيحة.

قد يحمل هذا الترويع الرخيص من حتمية تفوق الآلة مصلحة خفية تخدم أطراف تستفيد من توجيه البصر بعيداً عن جوهر الأزمة؛ فالتخويف المستمر من نماذج الذكاء الاصطناعي يضخم قيمة المنتج ويعظم شأن صانعه، ليصرف الأنظار عن الأسئلة الصحيحة: من يمتلك هذه القدرة؟ ولصالح من تعمل؟ وما البيانات التي ابتلعتها وبإذن من؟ فحين ينشغل الفكر بمخاوف الآلة المتمردة في المستقبل، فإنه يتجاهل الإنسان الموجود في الحاضر، والتغير الذي يمكنه أن يصنعه ولو كان بسيطاً. فيصبح هذا التخويف والمستقبل المظلم احتمالاً قابلا للانحسار متى ما استيقظ الإنسان لوعي حاضره وأمسك بزمام دوره الحقيقي.

تتجلى المفارقة هنا في تورط الإنسان مع هذه التقنية واستخدامها بابتذال مفرط في تفاصيل عبثية وأغراض بالغة السطحية. يقبل الأفراد على استنزاف الخوارزميات في استخراج صور شخصية تعود بهم إلى حقبة الثمانينات -الترند الحالي-، أو إطلاق أسئلة تطلب وصف الشخصية في خمس كلمات، أو تقمص مدن خيالية تحدد الهويات بناء على قوالب رقمية صلبة وغيره من السخافات التي تستهلك ماء عذب بدون طائل. ولا ننفك عن تغذية النماذج بالغث والسمين والصالح والطالح والتافه والقيم ونفضي له بأسرارنا ومواقعنا وصورنا، ونغفل عن أن كل ما نصبه في هذه النماذج قد تستخدمه الخوارزميات في حرب أو اختراق، لنغدو أهدافاً عمياء تقررها خوارزمية تدار لصالح عدو. المفارقة مدهشة والمضحكة والحزينة، أن يرتجف المرء رعباً من هيمنة الذكاء الاصطناعي ويهلل لتحذيرات خطورته، ولكنه يتطوع بنفسه لتغذية قواعد بياناته بأطنان من الصور الشخصية والاعترافات النفسية وتسليم عقله ومهاراته لهذا البعبع الفضائي!!!

يتطلب الواجب الفكري اليوم إعادة توجيه بوصلة السؤال نحو الإنسان نفسه، صانع التقنية وحارس غاياتها، واسترداد الجرأة على فحص البنية القيمية التي توجه جهوده. ونقر بأن الذكاء الاصطناعي (والتقنية) هو ابن شرعي لتراكم بشري طويل، من المنطق الأرسطي إلى خوارزميات ألان تورنغ، ومن حلم ليبنيز بلغة فكرية شاملة إلى مختبرات دارتموث . كل خطوة في هذا الطريق كانت خطوة بشرية، باختيار بشري، وبتمويل بشري، وببيانات بشرية. بيانات بشرية من حيواتنا: منشوراتنا  وصورنا وتحيزاتنا ومخاوفنا، وحتى أسوأ ما فينا. هذه النماذج الضخمة غذيناها بلا إدراك كاف، ونبتت في تربة سقيناها نحن.

ينبغي أن ينصب العمل الحقيقي على العودة للمعنى الأخلاقي، وإعادة ترتيب أولويات العلم والمعرفة لتكون لصالح ارتقاء الروح وصيانة الحياة المشتركة. نحن في حاجة إلى مقاومة مستمرة لوثنية التقنية، ورفضاً حاسما للتعامل مع التطور التكنولوجي كأنه مصير أعمى لا يملك البشر أمامه خيارا ولا رداً.

ينبني المستقبل على قدرتنا على استعادة السيادة الأخلاقية على منجزاتنا، وإدراك أن الحواسيب العملاقة مهما بلغ شأنها من تعقيد تظل عاجزة عن ابتكار ضمير أو صياغة قيمة أصلية بمعزل عن البشر. يتحتم علينا مساءلة أنفسنا بعمق عن نوعية القيم التي نعيشها ونبثها في منظوماتنا وكيف ننظر للتقنية أولاً. يبقى الإنسان هو المركز والمبتدأ في هذا الكون الأرضي، وتظل الآلات مهما بلغت درجة تعقيدها أدوات تدين بوجودها وقوتها لوقود الفكر البشري وموارده. وكل إصرار على تحميل الخوارزميات وحدها وزر الأزمات المعاصرة وظلامية المستقبل يمثل استمراراً لهروب طويل من مواجهة الحقيقية التي تعكس عيوبنا الكبرى ونقصنا المتأصل. فالمعركة القادمة نخوضها داخل محراب ذواتنا، حيث يقف الإنسان إما حارساً لقيمه ومعانيه أو ضحية بلهاء لما صنعته يداه.  

نوال القصيّر

Leave a comment

Related Posts

لمحة

بكل عاديتي وبساطتي وتعقيدي أكتب وأدوّن حتى أنمو أولاً ومن أجل الأثر ثانياً. مدوّنة نوال القصير عمرها طويل فقد ولدت في عام ٢٠٠٦ تعثرت كثيراً وهُجرت أيضاً ولكنها شهدت أعوام من الالتزام بالكتابة. تطوّرت وتراجعت ثم عادت للحياة مرات كثيرة كنبتة جفّت ثم انعشها المطر. أكتب عن الكتب والقراءة، عن كل المفاهيم والقيم التي أعيشها أو أرغب العيش بها ومعها. مدونة للأيام الجيدة والسيئة.