week 40 | أنت ترى ما تريد أن تراه.

Date
أكتوبر, 13, 2011

أعجب من طريقة رؤيتنا للأمور، تتحكم بها أشياء كثيرة ولو ادعينا أننا موضوعيين للغاية.. في النهاية نحن نرى مانريد أن نراه غالبا، وما نريد أن نراه هذا مرتبط بمعايير كثيرة تحكمنا دون أن ندري، لذلك الواعي -وعي مستمر- سيتنبه كل فترة ليجد أنه بحاجة إلى نظرة أشمل، أوسع. هذه المعايير تختلف من شخص لآخر، من جاهل لجاهل، من واع لواع، من بيئة إلى بيئة أيضا. قد تكون هذه المعايير مزاجية، أو معايير اجتماعية بحته، أو بشرية محضة.. أو عرف وعادة، أو معايير ما أنزل الله بها من سلطان. الانسان بمحدوديته لا يستطيع أن يلم بكل الحقيقة ولو مات من أجلها، الحقيقة مختلفة ولها عدة وجوه، وحتى ننظر لها ككل يحتاج أن نراها من زوايا عديدة، يحتاج أن نضع أنفسنا في مكان الاخرين حتى نرى ما يرونه. ومع ذلك لن نستطيع تماما، إن من أصعب الأشياء على الانسان أن يرى ما ينبغي أن يراه وليس ما يريد أن يراه – ولكن أكثرهم للحق كارهون- إن من أثقل الأشياء فعلها على الإنسان هو أن يعرف أن هناك أشياء أخرى لا يراها، أو يتجاهلها عمدا، يثقل عليه الاعتراف بها علنا، يثقل عليه تقبلها..

نحن نرى مانريد أن نراه غالبا.. نرى في الآخرين مانريد أن نراه نحن، نرى فيهم صورنا. انطباعاتنا السلبية ليست دائما صائبة، إنما هي انعكاس لكيف نرى نحن الآخر وليس كما يبدو عليه فعلا.. ما يصلنا من أفكار الآخرين ويغيظنا ليس بالضرورة لأنه يغيض، لكن لأن عقولنا تترجم حسب معاييرنا نحن، وتفهم حسب ما اعتادت ان تفهمه. فعندما يساء فهمك فهذا ليس بالضرورة خطأك، أو أنك خطأت التعبير هذا قد يعني في أحيانا كثيرة أن الملتقي يفهم مايريد هو أن يفهمه، ما برمج عليه عقله، يفهم حديثك حسب نواياه وحسب مخاوفه وحسب كل ما حُشي في عقله.

الذي يعبد الله على حرف لا يرى الأشياء كما ينبغي ، بل يراها كما يريد أن يراها هو، يتجاهل كل ما أنعم الله به عليه، ويبدأ بالتشكي والبكاء لأن أمرا واحدا فقط أرهقه ونسي أنه قبل أيام قليلة حقق حلما، أو جاءته فرص عظيمة، وينسى وينسى فيرى ما يريد أن يراه.

الذي يحب لا يرى الا مايريد أن يراه في محبوبه، والذي يكره لا يرى الا السيء في الاخر، والسلبي لا يرى الا السلبيات في الحياة والعمل والدولة والناس، والايجابي يرى الحياة وردية ليس لأنها وردية لكن لانه يريدها ان تكون كذلك، والذي يسيء الظن فيما لا يستحق أن يساء الظن فيه، يرى ما يراه داخل عقله، انما هو بسوء نواياه يوضح نواياه هو مسبقا، لانه يرى في الاخر ما يستطيع يراه في نفسه.

الذي نجح في تجربته لا يرى في الحياة الا تجربته الناجحة وعلى الآخرين أن يكونوا مثله وينسى أن الكون فسيح،و  الفرص بعدد حبات الرمل، والظروف تتفاوت، وطرق النجاح شتى.

نحن نرى ما نريد أن نراه، وبقدر وعينا وسعينا لزيادته نستطيع أن نوسع مدى هذه الرؤية لما يجعلنا نصل لحل المشاكل وتقبل الحقائق، وعدم رفضها وانكارها بشدة..

دعونا نرى ما ينبغي أن نراه، لنحاول أن نرى الصورة كما هي، لا كما نحن نقتطعها ونحسنها أو نشوها. دعونا نحاول ان نقتحم عقبة البيئة التي تتحكم بأكثر أفكارنا وحكمنا على الأشياء. لنرى الأشياء كما تبدو عليه لا كما تبدو عليه أفكارنها ونوايانا . لنبذل تجاه ذلك أقصى ما نستطيع ، حتى وان كانت مهمة صعبة قد يتخللها الكثير من الفشل، لكن لنحاول. لن نتمرد على بشريتنا ومحدوديتنا، لكن على الأقل ستخف حدة تصرفاتنا تجاه الأمور التي نجهلها، سنصبح أكثر إدراكا أن هناك أمور كثيرة لانعرفها بخصوص هذه القضية، الأمر الذي يجعل مواقفنا أكثر حكمة وأكثر اتزانا، وأقل عنفا في الرفض وأقل حماسا في القبول.

—–

صورة الاسبوع:

العمل اليدوي لا يزال على قدم وساق على كتالوج القراءة.

نوال القصيّر

5 Comments

  1. رد

    هيفاء

    أكتوبر 13, 2011

    غلمتني الحياه ان اتقبل الاخر وللاسف انني تاخرت كثيرا قبل ان افهم الدرس
    شكرا نوال

  2. رد

    بلسم

    أكتوبر 13, 2011

    كلام جميل ..
    وكما قيل:ماعالجت شيئا أشق علي من نيتي..
    والإنصاف عزيز..الله يجعلنا من أهله

  3. رد

    ibrahim

    أكتوبر 13, 2011

    جميل جدا , بالتوفيق

  4. رد

    بشرى ~

    أكتوبر 14, 2011

    حرفك لا يجري هكذا بخطوات متواضعة ليجلس بين السطور..
    حرفك لا يفعل ذلك إلا وهو يحمل معه جرس,,
    يرن يرن حتى نفهم أن هذا الحرف جلس في مكانه المناسب,,
    تصل رسائل حروفك إلي لأعقلها لا لأضع تعليق هنا,,
    تصل إلي لأبتسم وأنظر إلى نفسي أين أنا مما ذكرتِ؟؟ وما هو وضعي بالنسبة لما طرحتِ ؟
    هذا ما تفعله حروفك في كل تدوينة =)

  5. رد

    Jenan AlMohaimeed

    يناير 1, 2018

    تذكرت وأنا اقرأ التدوينة الطريقة التي يتعامل معنا بها محرك قوقل. فعند البحث عن شيء ما على جهازي، تكون نتائج البحث مختلفة نوعا ما عن أي جهاز أخر. فقوقل يُظهر نتائجه ويبنيها على عمليات بحثي الماضية سوى كانت لغة، ديانة، تخصص …الخ. كلنا نشترك بنقطة اطلاق الأحكام والأراء بناء على تراكمات سابقة.
    عمومًا “عين الرضا عن كل عيب كليلة.. ولكن عين السخط تبدي لك المساويا”
    تدوينة رائعة يا نوال .. أحس ضروري أرجع لها بين فترة والثانية.

Leave a comment

Related Posts

لمحة

بكل عاديتي وبساطتي وتعقيدي أكتب وأدوّن حتى أنمو أولاً ومن أجل الأثر ثانياً. مدوّنة نوال القصير عمرها طويل فقد ولدت في عام ٢٠٠٦ تعثرت كثيراً وهُجرت أيضاً ولكنها شهدت أعوام من الالتزام بالكتابة. تطوّرت وتراجعت ثم عادت للحياة مرات كثيرة كنبتة جفّت ثم انعشها المطر. أكتب عن الكتب والقراءة، عن كل المفاهيم والقيم التي أعيشها أو أرغب العيش بها ومعها. مدونة للأيام الجيدة والسيئة.

موصى بقراءته