عن الألفة والمألوف/ لماذا نعود لما ألفناه؟

Date
أكتوبر, 05, 2026

لسنوات طويلة مضت، كانت هناك غريزة ما تدفعني نحو الجديد، لا أزعم أنها مفرطة أو مبالغ بها لكن ترحيبي للجديد كان علامة فارقة في اختياراتي وقراراتي. أرحب بالصداقات الجديدة، وكنت أعتبر أن قراءة كتاب سبق وأن قرأته مضيعة لوقتي -غير الثمين طبعاً-. كنت أظن أن الحياة تتسع بقدر ما نستكشف فيها من مدن ووجهات جديدة -وهذا صحيح-، وعناوين كتب لم نسمع عنها قبلاً، ووجوه لا نعرف عنها الكثير. لسنوات طويلة، كنت أعتقد أن الحياة تبدأ حيث ينتهي المألوف والتكرار خيانة للحياة.

مع مرور الأيام والتقدم بالعمر وجدت نفسي أتحول بهدوء نحو ما أعرفه وآلفه; إلى بيتي ومكاني الذي اعتدت تفاصيله ولطالما أحببت البيت فهو أعظم ما يربي ألفتي ويحرسها ويصونها، إلى الأصوات المألوفة، والأصدقاء الذين أعرف سياقهم ويعرفون سياقي وتحولاتي فنكفي بعضنا عناء الشرح والتبرير والفهم. أحب زيارة وجهات سفر ألفتها ولي فيها ذكريات وبينما تعرض المدن السياحية جديدها علي كل يوم وتغرقنا منشورات المنصات بجديد مقاهي لندن وباريس أجدني أختار تكرار الزيارة للمقهى والمطعم وكرسي الحديقة. أعود منذ مدة إلى كتب قرأتها قبل أعوام طويلة مضت أكثر مما أفتح كتبًا جديدة. أجد في هوامشها خطي، وأسئلة وتعليقات كتبتها امرأة كنتُها وكم أحببت هذه العودة.

تبدأ الألفة في المهد. لاحظ جون بولبي، صاحب نظرية التعلق، أن الطفل يتعلق بوجه بعينه، يعرف صوته ورائحته، ويصبح هذا الوجه بوابته للمعرفة ورأى في هذه الحاجة فطرة تضاهي حاجته إلى الغذاء. ومن معرفة الطفل لهذا الوجه يخرج ليكتشف الغرفة وما فيها، ثم يعود إليه كلما خاف من شيء جديد. يبقى المألوف قاعدتنا التي ننطلق منها ونعود إليها، المفارقة أن ما يتغير في علاقتنا مع المألوف مع العمر أن رحلاتنا بعيداً عنها تكون أقصر، وإقامتنا فيها تطول. ويتكرر المشهد في الحب.

انطلق عالم الأعصاب روبرت سابولسكي من ضيقه الشخصي بذائقة مساعدته الشابة وانفتاحها الموسيقي لأنواع متعددة؛ ليمضي هو ومساعدوه في استقصاء طريف: تتبعوا محطات الأغاني القديمة، ومطاعم السوشي في الغرب الأوسط، ومحلات Piercing، ليرصدوا تاريخ ظهور كل خدمة ومتوسط أعمار زبائنها. وكانت النتيجة متوقعة؛ فحين يظهر لون موسيقي جديد، فإن احتمالية أن يعرض عن هذا عند من تجاوز الخامسة والثلاثين تفوق 95%، فيما تنغلق نافذة تقبل السوشي قرب التاسعة والثلاثين، وهذا يفسر ما حدث معي شخصياً قبل عدة أشهر خلال لقاء مع صديقتي بثينة وأقنعتني بتجربة السوشي وكان قبولي له معدوم جداً وظهرت علي علامات الغثيان وأحمر وجهي وأزرق حتى انتهت اللقمة.

أحزنته النتائج وبدا له انغلاق العقل أمام الجديد ضرباً من الخسران والفقر الذهني، لكنه عاد فاقترح قراءة أرحم: ربما يطمئننا التكرار كلما تقدم الدماغ في العمر، وربما تنتفع الجماعة الإنسانية حين يتفرغ كبارها ليصبحوا حراساً لإرثها الثقافي.

أما أنا فأحمل هذين الاحتمالين معاً. أعرف أن انحيازي إلى ما أعرفه هو خسارة لا تهمني لأشياء لن تتاح لي معرفتها، وأعرف في المقابل أن على أحد ما أن يحفظ الأغاني القديمة، والحكايات التي تتناقلها البيوت، وأسماء الشوارع قبل أن تتلاشى من الذاكرة العامة.

ولكن كيف أصبح المألوف والمتكرر شيئاً نحبه ونطلبه؟ يجيب عن ذلك عالم النفس روبرت زايونك في سلسلة تجارب أجراها خلال الستينيات، في دراسته الشهيرة عن الآثار الوجدانية للتعرض المجرد. أثبت زايونك أن مجرد تكرار رؤية الشيء سواء كان كلمة، أو رسماً، يجعلنا نقيمه تقييما أفضل ونميل إليه أكثر مقارنة بشبيه له نراه للمرة الأولى. هذه التجربة توضح أن مجرد التعرض المتكرر يولد لدينا شعوراً خفياً بالقبول والارتياح ومن هنا تنشأ الألفة ويصبح ذلك مبرراً مع التقدم في العمر.

لكن الاحتفاء بالتكرار ومديح المألوف لا يعفينا من مساءلته؛ فالألفة ذات وجهين متناقضين. حين تتحول إلى اعتياد أعمى وتكرار آلي بلا وعي، فإنها تصبح حجاباً يغلق باب الفضول، وتفقد معها الأشياء قدرتها على إثارة دهشتنا، فنمر على أثمن التفاصيل مرور الكرام ونعدها كليشيهات، وهنا بالذات يصدق وجه الاستخفاف في المثل الإنجليزي: Familiarity breeds contempt. أما في وجهها الأصيل، فالألفة جذر وملاذ نكف فيه عن الركض لنستند إلى جوهر المعاني. وحين ندرك هذا التوازن، نكتشف أن الألفة السليمة تترك نافذة معقولة للمجهول والجديد وتتقبله.

خلال بحثي اطلعت على هذه المقالة للورا كارستنسن، تقول نظريتها في “الانتقائية الاجتماعية العاطفية” إن الإنسان كلما ضاق أفقه الزمني، وهذا ما يحدث عادة مع التقدم في العمر، صار أكثر انتقاءً، ووجه موارده إلى الأهداف والأنشطة ذات المعنى العاطفي. وفي دراسة أجرتها مع باربرا فريدريكسون سألت الباحثتان المشاركين ال300 والذين تتراوح أعمارهم بين الحادية عشرة والثانية والتسعين سؤال واحد: مع من تقضي نصف ساعة من وقتك الحر، مع فرد من عائلتك، أم مع شخص تعرفت إليه حديثاً ويشاركك اهتماماتك، أم مع مؤلف كتاب قرأته؟  أظهرت الإجابات ميلاً واضحاً لدى الكبار لاختيار فرد العائلة مقارنة بالشباب. وحين أعادت الباحثتان طرح السؤال ذاته بعد أن طلبتا من المشاركين تخيل رحيل وشيك ومفرد إلى مدينة بعيدة، تحولت خيارات الشباب لتطابق اختيارات الكبار تماماً.

تخلص كارستنسن إلى أن إدراكنا للوقت هو ما يحرك اختياراتنا، وأن العمر وحده يفسر القليل. فحين نرى الوقت محدودا نقدّم الأهداف الحاضرة ذات المعنى العاطفي على الأهداف التي تعدنا بالمعرفة وتوسيع الآفاق في المستقبل. يكفي أن يلوح الفراق في الأفق حتى يندفع الشاب نحو قضاء الوقت مع أهله بالدافع ذاته الذي يحرك الشيخ.  يبدو التمسك بالمألوف في ضوء هذا خياراً غريزياً حكيماً في الحياة.

وفي نظري لا ينفصل السكن عن الألفة انفصالاً تاما فالعلاقة بين المأوى والمألوف وشيكة ومتلاحمة. ذهبت إلى معاجمنا أتتبع الكلمتين، فإذا العربية تسبق الفلاسفة وتكشف في بنيتها عن المعنى كاملاً. يقول ابن فارس في مقاييس اللغة إن أصل «سكن» يدل على خلاف الاضطراب والحركة، ومنه السكينة وهي الوقار، ومنه سمت العرب دفة السفينة «سُكّانًا» لأنها تمسكها عن الاضطراب. ويجمع القرآن المكان والإنسان كسكن: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا)، (وجعل منها زوجها ليسكن إليها). نسكن في البيت، ونسكن إلى من نحب، وتنبت السكينة من الاثنين معا. أما «ألف» فهو أصل يدل على انضمام الشيء إلى الشيء. ولعل في هذا ما يفسر ازدياد تعلقنا بالمكان والأشخاص مع تقدم العمر: السكينة تحتاج إلى زمن، والألفة تتراكم بطول المعاشرة حتى يصبح المألوف ذا قيمة لا يعوضها الجديد.

تبلغ الألفة أعمق صورها في علاقة الإنسان بالإنسان، ففي موروثنا المشترك عبارة نعرفها: “بيننا عيش وملح”. والممالحة عند العرب تعني المؤاكلة، والملح عهد وحرمة بين المتحابين (بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مُمَالَحَةٌ: أي بَيْنَهُمَا حُرْمَةُ المِلْح). يستضمر هذا التعبير ما يحمله الطعام من معاني الألفة وطول المعاشرة؛ فالطعام ليس سوى العتبة، والجوهر الحقيقي هو العمر الذي نقضيه معاً وتراكم الأيام والتجارب المشتركة التي نعيشها جنباً إلى جنب حتى نعرف صاحبنا حق المعرفة ويصير مألوفاً للروح.

تذكرت والدة جوزيف سورس في الرواية: الرسام تحت المجلى، حين شعرت بالحزن أن يكون ابنها فنانا ينظر للعالم كأنه يراه للمرة الأولى:

” إنه لأمر محزن جدا، إنه التعاسة بأتم معانيها. عندما أنظر إلى الأشياء، أريدها أن تكون مألوفة كعمتي، كزوجي، كالخبز مع كل وجبة. أريد لشراشف اليوم أن تبدو كشراشف البارحة حتى لو اختلفت التطريزة تماماً. لا أريد القبل التي أتلقاها جديدة، أريدها قديمة ومألوفة. فلا يمكن للمرء أن يشعر بالطمأنينة إلا وقدماه ثابتتان بقرب الأشياء نفسها، إلى حد أنه يتوقف عن الانتباه إليها إذ أنها تصبح جزءا منه، كما لو أنه أكلها ومضغها وابتلعها فغدت لحما من لحمه ودما من دمائه. “

يمنح المألوف شعوراً بالطمأنينة اللذيذة لأن الزوايا والأمكنة والأسماء المعهودة تحمل في طياتها تاريخاً مشتركاً يحرس الروح من التشتت والضياع. تتبدى جماليات الحياة الحقيقية حين يتوقف المرء عن الركض وراء السراب المستحدث، ويجلس بهدوء في ركنه المألوف ليأكل خبزه المعتاد، ويحتسي قهوته التي يعرفها، ويتأمل الجدران التي حفظت صدى صوته وصوت من يحب ويتحدث مع ذات الوجوه التي قاسمها العيش والملح. هذا الالتصاق بالمألوف يولد طاقة روحية هائلة تعين الإنسان على مواجهة قسوة الأيام وثقل المسؤوليات، فالأشياء التي نعرفها حق المعرفة تصبح دروعاً واقية تحمينا من تفاهة الاستهلاك العابر. يبرز هذا المعنى بوضوح حين نراقب كيف يرتد الهوس بالجديد المطلق على المجتمعات بوبال النفايات، تماماً مثلما صور إيتالو كالفينو في رائعته “مدن لا مرئية” حين تخيل مدينة يبدل أهلها كل يوم ملاءات سريرهم وثيابهم وأدواتهم ويرمون القديم في الطرقات، حتى أحاطت بالمدينة جبال شاهقة من النفايات التي تهدد بطمرها. يمنحنا هذا التصوير الخيالي مرآة كاشفة تبين أن اللهاث خلف التجديد الدائم يكدس في أرواحنا ركاماً من النفايات الشعورية والذهنية التي تخنقنا. وحدها الألفة في هذه الحالة تمثل طوق النجاة الحقيقي، إذ تقينا هذا الطوفان الاستهلاكي وتمنحنا القدرة على بناء جذور راسخة نختار فيها الجديد والمألوف بتوازن.

يحن الإنسان بطبعه إلى المرتكزات الأولى التي شهدت براءته وتكوينه الأول، ويبقى هذا الحنين يشد خطاه كلما تاه في دروب لا تشبهه. نستقر (معظمنا) في نهاية المطاف في كنف المألوف، مدركين تمام الإدراك أن الألفة زمن متراكم، تقيسه كارستنسن بما بقي لنا منه، ويقيسه زايونك بعدد المرات التي يتكرر فيها الشيء، وتردها معاجم العرب إلى انضمام الشيء إلى الشيء، وتختصره العرب في مائدة حتى يصير الملح حرمة. وإذا كانت الألفة مرتكزها زمني، فميلنا إليها مع العمر استجابة منطقية. غير أن هذا المنطق نفسه يعرف حدوده بنفسه؛ فالزمن يمنح الأشياء ثقلها، ويمنحه للنافع منها والضار على السواء. أعرف عادات ألفتها وهي تؤذيني، وأماكن أعود إليها وقد فرغت من معناها، ويستبقيني طول الألفة أحياناً في علاقة كان حريّاً بي أن أغادرها الألفة شاهد على ما عشته، وتحتاج مني بعد ذلك إلى حكم: أي مألوف علي أن ألازمه، وأيّه يمسكني بقوة العادة وحدها؟ صار هذا السؤال عندي جزءًا من الوفاء للمألوف.

يقول مالئ الدنيا وشاغل الناس:

خُلِقتُ ألوفًا لو رجعتُ إلى الصبا لفارقتُ شيبي موجعَ القلب باكيا


نوال القصيّر

Leave a comment

Related Posts

لمحة

بكل عاديتي وبساطتي وتعقيدي أكتب وأدوّن حتى أنمو أولاً ومن أجل الأثر ثانياً. مدوّنة نوال القصير عمرها طويل فقد ولدت في عام ٢٠٠٦ تعثرت كثيراً وهُجرت أيضاً ولكنها شهدت أعوام من الالتزام بالكتابة. تطوّرت وتراجعت ثم عادت للحياة مرات كثيرة كنبتة جفّت ثم انعشها المطر. أكتب عن الكتب والقراءة، عن كل المفاهيم والقيم التي أعيشها أو أرغب العيش بها ومعها. مدونة للأيام الجيدة والسيئة.