أعرف الروايات والأعمال الدرامية الجيدة، أتذكرها بحدة، تعيش فيني وأعيش فيها ويصبح من الصعب جداً أن لا تقفز أمامي خلال معايشتي مواقف أو مشاعر مشابهة؛ ولعل هذا التشابه الروحي هو ما يجعلني أدرك كيف يقدم الأدب الروائي العالمي والعربي والأعمال الدرامية، في لحظات ذروتها الإبداعية، نماذج إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا واللغة لتلامس الجوهر الإشكالي للوجود البشري. ولا أجد من يمثل هذه الحالة مثل ثلاثة أعمال رواية “ستونر” للأمريكي جون ويليامز، ورواية “المسرات والأوجاع” للعراقي فؤاد التكرلي، والمسلسل السوري “أحلام كبيرة”.

تنطلق هذه الأعمال من بيئات متباينة ظاهريا؛ فتدور أحداث “ستونر” في أروقة جامعة ميزوري الأمريكية خلال النصف الأول من القرن العشرين متتبعة مسار حياة أستاذ جامعي منذ ولادته وحتى وفاته، وتمتد “المسرات والأوجاع” لتغطي قرابة ثمانية عقود من تاريخ العراق الحديث، مبتدئة من أزقة مدينة خانقين وصولاً إلى تقلبات العاصمة بغداد السياسية والاجتماعية في ظل الحروب والتبدلات السياسية، بينما ترصد الدراما التلفزيونية “أحلام كبيرة” تحولات عائلة دمشقية من الطبقة المتوسطة تتخبط في مواجهة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية. تتلاقى هذه السرديات في نقطة عميقة تتمثل في تشريح حياة “الإنسان العادي” الإنسان الذي يشبهني ويشبهك ويتقاطع معي ويتقاطع معك، ذلك الفرد الذي تدهسه تروس الحياة، وتهمشه المؤسسات، وتخذله العلاقات الإنسانية الأقرب إليه، أو تجبره منعطفات القدر على التخلي عن أحلامه، ليجد نفسه في نهاية المطاف في مواجهة قاسية ومباشرة مع ذاته وخيبته وأوجاعه.
يقف وليم ستونر عند مزرعة فقيرة في ميزوري، فيما يقف توفيق على رصيف بغدادي مثقلٍ بالوعود، ويفصل بين الرجلين محيطات وبحار وثلاثة وعشرون عاماً بين صدور الروايتين. ورغم هذه المسافة يتنفّس البطلان الهواء نفسه: هواء رجلٍ يحمل أيامه على كتفه ويمضي، ثم يلتفت في أحد الأيام بعد ان تقدم به العمر فيرى أن الأيام هي التي حملته إلى حيث لم يقصد ابتداء. يقف إلى جوارهما وجه ثالث خرج من حارة دمشقية قديمة على الشاشة: عمر الحلبي، بطل مسلسل «أحلام كبيرة»، الشاب المتفوّق الذي حلم بالفيزياء الحديثة في أمريكا لكن ظروف العائلة جعلته يتجه إلى دراسة الحقوق ومكتب المحاماة. وضع كل كاتب منهم في قلب عمله رجلا عادياً يحاول أن يصنع أيامه بأحلامه وخططه بينما تعيد الأيام صياغته رغماً عنه.
تطرح هذه الأعمال تساؤلات نختبرها جميعاً حول معنى النجاح والفشل، ومفهوم الكرامة الإنسانية في مواجهة الإنحدار المجتمعي، ودور الثقافة والأدب في تشكيل وعي الفرد أو تعميق مأساته، وكيف يمضي كل إنسان مع الأيام وعوارضها بطريقته الخاصة. يعتمد السرد والبناء الدرامي في هذه الأعمال على نبرة موضوعية، محايدة، تتسم بالبرود الظاهري الذي يخفي تحته براكين من العذاب الداخلي، ويكتسب هذا الأسلوب أهميته من كونه يمنح القارئ والمشاهد مسافة نقدية كافية لتأمل صوارف الحياة وقسوتها والتفاعل مع هذه الشخصيات بناء على سجل أيامنا المتشابه.
ينطلق ستونر وتوفيق وعمرالحلبي من بيئات قاسية تفرض عليهم حتمية بيئية واجتماعية يصعب الفكاك منها. يبدأ فؤاد التكرلي روايته بوصف دقيق ومفصل لعائلة آل عبد المولى في “دربونة الشوادي” بمدينة خانقين. يمثل الجد المؤسس “عبد المولى” نموذجاً بشرياً يقترب في خلقته من القردة؛ بقامته القصيرة، وذراعيه الطويلتين، وعينيه الجاحظتين، وأنفه الأفطس. تنتقل هذه الخلقة المشوهة بالوراثة إلى أبنائه وأحفاده، لتشكل وصمة جسدية واجتماعية تعزل هذه العائلة عن محيطها وتفرض عليها نمط حياة منغلقاً، ينحصر في العمل المضني في حرفة النجارة، وتكديس الأموال والتزاوج الداخلي للحفاظ على الثروة وتجنب سخرية المجتمع. يولد “توفيق” كطفرة جينية تكسر هذه القاعدة الصارمة؛ فهو يتمتع بوسامة فائقة وطلعة بهية، مما يمنحه فرصة الانعتاق المكاني من “دربونة الشوادي” والارتقاء الاجتماعي بدخوله كلية الحقوق في العاصمة بغداد، واندماجه في مجتمع المدينة. وعلى الرغم من أن توفيق نجا من الصفات الخَلقية المرعبة لسلالته بطفرة جينية، إلا أنه ورثها على شكل تشوهات نفسية وعيوب باطنية قاتلة، وضعته في صراع حاد بين طبيعته التي ورثها، وبين الثقافة المكتسبة التي يحاول التمترس خلفها لحماية نفسه من الانهيار.
على الجانب الآخر، يولد ويليام ستونر في مزرعة بائسة في وسط ولاية ميزوري الأمريكية في أواخر القرن التاسع عشر. يصف جون ويليامز بيئة ستونر بأنها بيئة صامتة، مجهدة، تسحق الإنسان وتحوله إلى امتداد للأرض القاحلة التي يحرثها. يعمل والدا ستونر بصمت مطبق، ويشيخان قبل الأوان تحت وطأة الفقر والعمل الشاق المستمر. ينشأ ستونر في هذا المناخ الخالي من التعبير العاطفي أو الحوار الإنساني، ويتعلم الخضوع التام للواجب، وتقبل المشقة بصمت كجزء لا يتجزأ من طبيعة الوجود، حيث تستنزف التربة حياة والديه وتحول إرادتهما إلى خضوع مطلق للأرض. ينتقل ستونر إلى جامعة ميزوري لدراسة الزراعة بناءً على توجيهات والده، ويكتشف هناك عالماً جديداً يغير مسار حياته جذرياً بالانتقال إلى قسم الأدب الإنجليزي؛ هاجراً الأرض القاحلة بحثاً عن خصوبة الفكر، ومحتفظاً بالسمات الأساسية التي ورثها عن والديه المتمثلة في الصبر اللامتناهي، والعمل الشاق، والميل إلى الصمت والانطواء. تشكل هذه السمات درعاً يحميه من قسوة العالم الأكاديمي، وتتحول في الوقت نفسه إلى قيد يحكم عليه بالسلبية المفرطة في مواجهة أزماته الشخصية والزوجية.
يتفوّق الفتى الدمشقي في دراسته ويشدّ رحاله في خياله إلى الفيزياء الحديثة في جامعاتٍ أمريكية، فيرى في العلم مركبه إلى أفقٍ أرحب من حارته القديمة. تصيب أباه جلطةٌ تقعده عن العمل، وتتصدّع تجارة العائلة إثر نزاعٍ على الميراث، فيجد عمر نفسه الابن الأكبر الذي تتّكئ عليه أمٌّ وإخوة
وبذات الصورة التي تعكس ثقل الإرث الأبوي والواجب العائلي، يولد “عمر” الابن بكر لعائلة دمشقية من طبقة متوسطة. يتفوّق الفتى الدمشقي في دراسته ويشد رحاله في خياله إلى الفيزياء الحديثة في جامعاتٍ أمريكية، فيرى في العلم مركبه إلى أفقٍ أرحب من حارته. تنهار هذه الأحلام والطموحات وتتصدّع تجارة العائلة إثر نزاعٍ على الميراث وإصابة والده بجلطة مقعدة ،فيجد عمر نفسه الابن الأكبر الذي تتّكئ عليه أم وإخوة. لا يواجه عمر حتمية بيولوجية مشوهة كتوفيق، ولا بيئة قاحلة صامتة كستونر، إنما تحاصره حتمية الواجب الأخلاقي والأسري الثقيل الذي يصادر خياراته الفردية ليودع أحلامه الكبيرة في أدراج النسيان ويمضي في طريق اختاره له القدر.
لكن ويليام ستونر كان يفهم العالم على نحو لم يفهمه سوى القليل من طلبته. كان في أعماقه، أسفل ذاكرته، يعرف جيدا القسوة والجوع والجلد والألم، ومع أنه كان نادرا ما يفكر في سنواته الأولى في مزرعة بونفيل، كانت معرفته بالدم الذي ورثه قريبة من وعيه دائما، الدم الذي ورثه عن أسلافه الذين عاشوا حياة مبهمة وقاسية، ولم يكن لهم من هدف سوى أن يقدموا لعالم قمعي وجوها خشنة وكئيبة وخالية من التعبير.
تتخذ المعرفة والثقافة أشكالا متباينة في حيوات الأبطال الثلاثة لكنها تلتقي في كونها الأداة التي صاغت طريقة استجابتهم لقسوة العالم. يكتشف ستونر الأدب ببراعة تقترب من التجلي الصوفي حين يقرأ سونيتة لشكسبير فتفتح أمامه آفاقاً فكرية رحبة، ليترك كلية الزراعة ويكرس حياته للأدب الإنجليزي الذي يتحول إلى درع يحميه وملاذ يعود إليه كلما ضاقت به الحياة. يتخذ توفيق مساراً فوضوياً يبدأ بقراءة روايات عالمية تزرع فيه إحساساً عميقاً بعبثية الحياة وتفاهة الطموحات، ليدفعه ذلك إلى تبني موقف عدمي يستخدم فيه الأدب لتبرير استسلامه للشهوات وتخليه عن المسؤوليات، مدوناً مذكراته كأداة لتشريح هزيمته الداخلية وانكساره الكبير. أما عمر، فيتعاطى مع المعرفة العلمية بشغف صوفي يرى فيه بوابة للتحقق الذاتي، ليصطدم هذا الشغف الخالص بقسوة الواقع ويقدم عقله وطموحه قرباناً لنجاة عائلته. حين أتفكر بأثر المعرفة والأدب على هذه الشخصيات التي تشبهنا أقول ربما شكلت بوصلتهم الداخلية في مواجهة تحولات حياتهم القاسية ؟ فمنحتهم “الوعي الحاد” والقدرة على مكابدة الوجود بتبصر. كانت الثقافة لـ “ستونر” بمثابة درع الخلاص الروحي الذي يقيه تفاهة محيطه ويمنح أيامه العادية معنى عميقاً. كما قدمت لـ “توفيق” لغة شفافة ومؤلمة مكنته من استيعاب حجم خرابه الداخلي وفهم انكماشه فيقول: “لست ضعيفا ولا قابلا للكسر، وهذا الأنكماش الذي يعتريني بين الحين والحين، هو علامة من علامات دفاع النفس عن وجودها”. في حين صاغت المعرفة العلمية لدى “عمر” نبلاً تراجيدياً أضفى على تضحيته طابعاً عقلانياً جاداً. لقد وهبتهم المعرفة، سواء تجلت في صفحات رواية أو في منطقية المعادلات، تلك البصيرة التي جعلتهم شهوداً استثنائيين على مآسيهم الخاصة والعامة، وحولت هزائمهم الصامتة إلى ملاحم إنسانية قادرة على المقاومة والبقاء.
تتجسد وطأة هذه الهزائم بوضوح بالغ من خلال زواج هذه الشخصيات، تتحول زيجاتهم إلى ساحات معارك باردة أو صفقات خالية من الشغف أو مأساة الفقد والفراق. يتزوج ستونر من “إديث بوستفيك” ذات التكوين النفسي الغريب والتربية الفيكتورية الصارمة، لتتحول العلاقة إلى حرب نفسية باردة تمارس فيها إديث تدميراً منهجياً لحياة زوجها، ويقابلها ستونر بانسحاب هادئ وتقبل صامت كجزء من قدره البائس. ينزلق توفيق في زواج تغلب عليه المطامع والغريزة مع “كميلة”، ليتدهور الارتباط كارثياً إثر اكتشاف عقمه البيولوجي والذي يعمق شعوره بالعبثية. يتخذ مسار الزواج لدى عمر شكلاً مختلفاً يعكس استسلامه لمسؤولياته، حيث ينجرف نحو ارتباط تقليدي يفتقر إلى وهج الحب الكبير، متخذاً منه استكمالاً لهيكلية الحياة الواقعية المفروضة عليه. تتسم حياة عمر الزوجية بالاستقرار المادي والهدوء الشكلي المفتقر للحرارة العاطفية، ليتحول المنزل إلى مؤسسة أخرى يديرها بكفاءة ومسؤولية، مبقياً عواطفه الحقيقية مدفونة في زوايا ماضيه.
تمنح الأقدار هؤلاء الأبطال مساحات ضيقة ومختلسة لاختبار الحب الحقيقي، لتمثل ذروة السعادة في حيواتهم قبل أن تؤول إلى نهايات مفجعة. يجد ستونر في علاقته بطالبته “كاثرين دريسكول” تناغماً مذهلاً بين الرغبة الجسدية والشغف الفكري، قبل أن تتدخل القوى الأكاديمية القمعية وتجبرهما على الانفصال. تتقاطع حياة توفيق مع المرأة الفرنسية الفاتنة “آديل” لتمنحه اكتمالاً يتجاوز ابتذال علاقاته العابرة، وتنهي الاضطرابات السياسية هذا الحلم وتجبرها على الفرار تاركة إياه يواجه مرارة الفقدان المطلق. تمثل علاقة عمر بـ “منى” ذروة الصفاء العاطفي. تنتهي علاقة عمر الحلبي المسلم ومنى المسيحية باصطدامها بحائط الاختلاف الديني؛ إذ تتدخل عائلتها لقطع هذه الرابطة قسراً. فيجد عمر نفسه أمام جدار صلب لا يمكن اختراقه، ليُضاف هذا الفقد القاسي إلى سلسلة انكساراته الكبرى.
تتقاطع هذه الشخصيات في قوة خارجية كبرى تسحق الفرد وهو يمارس يومه العادي ويحلم أحلامه الكبيرة، فتتجاوز مأساتهم حدود الذات والمنزل لتصطدم بآلة المجتمع والتاريخ الساحقة. واجه ستونر صراعات أكاديمية متمثلة في عداوته المريرة مع رئيس القسم ، ليقابل التهميش الوظيفي بثبات رواقي يؤكد تفوق النزاهة الداخلية على المناصب العابرة. أمّا توفيق فيقف أمام طاحونةٍ أكبر بكثير، طاحونة التاريخ العراقي نفسه بكل الانقلابات والحروب الطاحنة ، فأصبح التاريخ مسرحاً لانهيار القيم وصعود الفساد الإداري والعبث الاجتماعي. أما في مسلسل أحلام كبيرة فيعكس مسار عمر التفكك التدريجي للطبقة المتوسطة السورية، حيث تفرض آليات السوق وقواعد التجارة الملتوية عليه الاندماج في واقع تسوده البراغماتية الصرفة لتأمين لقمة العيش، ليقف صامداً كعمود خيمة أنهكته الرياح وهو يراقب مسارات إخوته المتباينة بخيبة أمل مكتومة.
تشترك هذه الأعمال في تبني أسلوب سردي ودرامي فريد يبقى في وعي من قرأه وشاهده مدة طويلة، تتخلى سرديات هذه الأعمال بوضوح عن النماذج البطولية التقليدية التي تنتصر على الصعاب وتغير العالم. يميل أسلوب جون ويليامز إلى النثر الخالي من الزخارف العاطفية، متخذاً مساراً خطياً يتيح استكشاف التحولات البطيئة في شخصية ستونر وهو يتقدم في العمر ويتآكل. بينما يعتمد فؤاد التكرلي بنية سردية مركبة ومتعددة الأصوات، تتوزع بين الراوي العليم بضمير الغائب الذي يقدم عرضاً بانورامياً لنشأة عائلة “آل عبد المولى” مستخدماً لغة جافة تسرد الوفيات وتكويم الثروات كأنها تقارير إحصائية باردة، وبين مذكرات توفيق المكتوبة بضمير المتكلم التي توفر وصولاً فجاً للعالم الداخلي المأزوم للبطل. يعكس التكرلي ببراعة لغة المثقف العراقي المحبط الذي يستعمل السرد كأداة لاكتشاف الذات وتبرير السقوط الأخلاقي والاجتماعي، محولاً اليوميات إلى مساحة حرة للاعترافات القاسية بلغة شديدة البراعة. ويضيف مسلسل أحلام كبيرة إلى المقارنة اختلافاً في الوسيط نفسه؛ فحكايته تصل إلينا صورةً وصوتاً على الشاشة، فيعتمد المخرج حاتم علي والكاتبة أمل حنا على الواقعية الشديدة والإيقاع المتأني الذي يشبه إيقاع الحياة الحقيقية، مكتفياً بتسليط الضوء على الانكسارات الصامتة ولحظات التأمل الطويلة لعمر، وتوظيف الحوارات المقتضبة والنظرات العميقة لتوصيل حجم المأساة المكتومة بصدق جارح يترفع عن المباشرة الفجة.

أحب هذه الأعمال الثلاثة مجتمعة بشكل خاص، وأعود لقراءتها ومشاهدتها مراراً لأنها لمستني بعمق وجدت كثير مني بين صفحاتها ومشاهدها، ولأنها كشفت لي عن نوع من البطولة اليومية الصامتة التي يحتاجها معظمنا لكي يتمكن من الاستمرار. لقد قدمت لنا هذه الأعمال نماذج إنسانية تشبهنا في معظمنا، تنكسر بصمت تحت وطأة الحياة، وتعيش في ظل هزائمها، وتعيد تعريف البطولة كما عرفناها. أحبها لأنها تعترف بالعلاقة المتبادلة مع الزمن فهو ينصعنا بقدر ما نصنعه وترفض أن تجعل من هذه المبادلة هزيمةً كاملة. إنها توضح لنا أن عظمة هؤلاء الأبطال المقهورين تكمن في إدراكهم العميق والشجاع لمأساتهم. إن الحياة بطبيعتها قلما تكترث لطموحاتنا العريضة، والبطولة الحقيقية والكبرى للإنسان تتجاوز مجرد القدرة على تطويع الأقدار وتغيير العالم، لتتجسد كاملة في شجاعته القصوى على المضي قدماً كل يوم في دروب لم يخترها طواعية، متقبلاً ثقل الوجود البشري بكل مسراته المختلسة وأوجاعه المقيمة، ومحافظاً على شرف المحاولة ونبل التضحية في وجه جرافة الزمن التي لا ترحم. هكذا تترك لنا هذه الأعمال إرثاً يدعو للتأمل المستمر في جوهر الحياة وهشاشة الكائن الإنساني في مواجهة آلة الزمن والمجتمع.
“مع ذلك كان يشعر أحيانا إنه يحني ظهره عبثا أمام العاصفة ويداري بيديه بلا جدوى شعلة آخر أعواد ثقابه الضعيفة.” ستونر
تنسحب هذه الأعمال بهدوء من صفحات الكتب وشاشات التلفاز لتلامس تفاصيل حياتنا اليومية العادية. من خلالها، نرى الإنسان وهو يتآكل ببطء، ونتأمل كيف رسمنا طموحات وأحلاماً، وخططنا لمسارات حياتنا بدقة، ثم اصطدمنا بالواقع. تجرعنا الخسارات، ولم نحقق أحلامنا الكبيرة، وتبخرت تلك النبوءات القديمة بمستقبلنا الباهر. ندرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن الذكاء والنبل والقلب الطيب شروط لا تضمن تحقيق الأحلام، ولا تقي من الانكسارات والخيبات المتتالية. نحن في النهاية أبطال حيواتنا؛ كسرتنا آلاف الأشياء، وسحقتنا الحياة مرات كثيرة، وحققنا بعض الانتصارات، لكن هزمتنا آلاف الخسارات الأخرى.
ربما علينا في مرات كثيرة أن نبتلع غصة الحرمان والتخلي كما ابتلعها عمر من قبل، وأن نلوذ بمساحتنا الخاصة ونتمسك بما تبقى من شغفنا كما فعل ستونر حين احتمى بالقراءة أمام قسوة أيامه وتفاهة محيطه. نحتفظ بذكرى أحلامنا كجرح داخلي غائر يجسد قسوة الواقع حين يتدخل لسحق أبسط المسرات الشخصية. وبدلاً من الانهيار، من الأفضل أن نمضي كعمر، متدثرين بصمتنا النبيل، ومكابدتنا اليومية، ووعينا الحاد بكل ما يجري حولنا.
في مشهد الختام للعمل العظيم “أحلام كبيرة”، يختزل عمر هذه التجربة الإنسانية المنهكة في حوار عفوي وصادق مع والده:
يقول أبو عمر لابنه: “شو ليش عم تضحك؟” يجاوبه عمر: “على هالدنيا يا أبو عمر”.
أبو عمر: “ليش شبها؟”
يرد عليه عمر: “لأنو صايرة بالمقلوب، يلي بيمشي فيا صح بيوقع طب على وجهو وبيتكسّر عظمو وبينكسر راسو، وبتروح عليه. ويلي بيمشي فيا غلط، بيوقع واقف على رجليه. مابتروح إلا ع اللي قابضها جد. لا الآمال تحققت، ولا الحياة مشيت متل ما كنا نحلم من زمان.. الأحلام كانت كتير كبيرة”



