نحو التخفف Minimalism : حياة أخف ، بضائع ومشتريات أقل.

 

 

 

منذ فترة ليست بالقصيرة ( أكثر من 8 أشهر تقريبًا خاصة بعد ما خضت تجربة الانتقال إلى منزل جديد) بدأت أضيق ذرعًا بممتلكاتي والأشياء التي تملأ منزلي وخزانتي بدون حاجة ماسة . جلبتها لتكون مصدر بهجة وسعادة ولكنها أصبحت مصدر قلق وتوتر بطريقة ما لا أعرف كيف أصيغها. مع تراكم الحاجيات تصبح الحياة أثقل والشعور أيضًا أثقل، فكل ما في حوزتنا وكل ما يشغل محيطنا يشغل منّا أيضًا. في كل مرة أعاتب نفسي كثيرًا على الاستهلاك الفارغ، والاستمرار في شراء بضائع لا حاجة لها أجدني أعود لنمطي القديم خلال أيام أو أسابيع. وقفت وقفة جادة في نهاية نوفمبر الماضي لتقييم عاداتي الشرائية ووجدتها مخزية بكل صراحة. أشتري من القميص ذاته أكثر من ثلاثة ألوان !! وأشتري من الملابس ما لا حاجة لي به حتى أصبحت الأشياء تتراكم من حولي بدون استخدام يوازي قيمتها، بجانب الملابس التي لا تزال تحمل بطاقة السعر !. ومع كل هذه الخزانة الممتلئة بشكل مرعب بالغالي والرخيص، لازلت في حاجة ماسة دائمة إلى شراء المزيد مع أن نمط حياتي وأسلوب عيشي لا يتطلب مني كل هذا الكم من الملابس. أعمل في مستشفى مما يضطرني للبس العباءة كزيّ رسمي بشكل مستمر فلا حاجة لي بأغلب مافي خزانتي. أشتري من البضائع الباهضة الثمن فوق حاجتي بشكل مضحك، أواني كثيرة و تحف منزلية وإطارات وأشياء أشك أيضًا أني اخترتها بقناعة. حتى أدركت أن التأثير العام للشراء الشره تمكّن مني ويجب أن أوقف كل هذا قبل أن يصبح الموضوع أصعب ومستحيل.

أدركت أني أهدر النعمة بشكل لم يخطر لي على بال، فشراء المزيد ليس إهدار للنعمة فحسب وإنما يساهم بتضخيم الجَشِع الذي في داخلك، فتصبح تريد المزيد ولا يدهشك شيء بعده. علاوة على أن مثل هذه التصرفات تشجع المصنعين في إنتاج المزيد مما يزيد من ضرر البيئة بطبيعة الحال ، وتدمير أجزاء من الأرض التي نعيش فوقها. قررت قرار صارم وفعّلت تغييرات سريعة وسعيدة بشكل مفاجئ الحمد لله. كان قراري لهذه السنة أن لا أشتري أيًّا من البضائع الباهضة الثمن أو “البراند”. حقائب وأحذية وملابس. أن لا أنجرف أكثر وراء هذا التيّار. أيضًا أن لا أشتري ما لا أحتاجه مهما كان سعره زهيد. أن لا يدخل في خزانتي أي قطعة ملابس لا توجد حاجة “ماسة” لها!.. وأن أقلل “الأغراض” المتراكمة بدون حاجة! صرت أُجبر نفسي على استخدام مالدي حتى ينفذ! أن أتقلم مع الموجود وبه. تعرفت على قطع في خزانتي نسيت أني اشتريتها أصلًا. وجدت فائض مخجل من الأشياء في المنزل وبدون هدف! ابتعدت عن قرار الشراء الفوري، فيجب علي التفكير طويًلا قبل الاقتناء. من نهاية ديسمبر وحتى هذا اليوم لم يدخل في خزانتي أي شيء جديد فأنا أشعر بالاكتفاء وبكل فخر، لم نتبضع مالاحاجة لنا به. تجاهلت كل العروض والاغراءات والتخفيضات. توقفت عن مشاهدة مشتريات الآخرين في يوتوب واستبدلتها بفيدوات أشخاص قرروا العيش بنظام الـ minimalist. أصبح هدفي أن أتخلص شهريًا من ٨ – ٩ أشياء متنوعة لم أعد في حاجتها، بمعدل ١٠٠ قطعة سنويًا. وبالتالي تخفف أكبر و العيش بكماليات أقل والاستفادة القصوى من مانملك. تخيّلت شكل خزانتي في نهاية عام 2017 بإذن الله وكيف ستكون أخف وأقل امتلاءً، سيكون منزلي أقل ب 100 شيء، لا بد أن يشكل ذلك فارقًا كبيرًا.

كل ما شاهدت شيئًا ودقّ له قلبي، تذكرت أني أقوى من إغراء لحظات وأن روحي بحاجة إلى أن تتعلم أن الوفرة ليست دائمة وأن الظروف تتبدل وتتحول. كل ما شاهدت شيئًا يستحق الاقتناء توقفت قليلًا وأقول لزوجي: دعني أفكر أولًا ، سنذهب وفي حال كنا في حاجة له سنعود. ولكننا لا نعود لأن الابتعاد عن السلعة يخفف من تأثيرها عليك. أصبح قانوني في السوبر ماركت: نوع واحد يكفي، شوكلاته واحدة مع القهوة فقط ! لا يوجد أي داعٍ لتجربة العديد ومن ثم الوقوف بحيرة أمام ما لم يعجبنا.. ماذا نصنع به؟ ومن نعطيه؟. أصبحت أعد الوجبات من المتواجد حتى ينفذ كل شيء تقريبًا فنقوم بالتبضع للأدوات الغذائية من جديد. توقفت عن الذهاب للصيدلية، أقوم بتوصية زوجي بإحضار ما يلزم فقط حتى لا تسوّل لي نفسي بتجربة كريم يقوم بتصفية البشرة كالمرآة بمبلغ وقدره وفي النهاية لا تأثير !

لا أواني جديدة لاحاجة لها، لا صحون تقديم لمجرد التنويع والتبديل. يكفيني مالدي وفي حال أردت التغيير علي التبرع أو تمرير مالدي أصلًا. أن أراعي نظام حياتي ومتطلباته، فلا يوجد أي داعٍ لشراء طقم صحون من 12 قطعة في حال أن أقصى عدد أستقبلهم 4 أو 5. لا حاجة لي بالتكديس بناء على احتمالات أو ظروف مؤقتة.

خلال الثلاث أشهر التي مضت تخلصت من أكثر من 40 غرض، تشمل ملابس شتوية وصيفية، عباءة وطرحة، أواني مطبخ وعلب مكياج، مكياج منتهي الصلاجية ومكياج لم أستخدمه ولا أعرف لماذا ابتعته ولست من النوع المغرم في المكياج أصلًا.  استبدلت 5 علب بحمرة شفاه من ماك. تبرعت بحقيبة سفر زائدة ملئتها تقريبًا بملابس وبطانية للتبرع، بعض الكتب التي ارتأيت أنها ستكون نافعة لشخص آخر. مرّرت بعض إطارات الصور القديمة لمن يحتاجها، وأعدت تدوير بعضها الآخر. تخلصت من بعض الصناديق المتراكمة لديّ. قننت شراء القرطاسية وأدوات الأعمال اليدوية. وصل التخفف أيضًا إلى التقنية. تخلصت من برنامج سناب تشات ومتابعة ناس لا أعرفهم معظمهم يستفزني وبعضهم الآخر لا يضيف لي شيء أنا شخصيًا. لست بحاجة إلى متابعة أمور الناس اليومية وإعلانات زائفة ومضللة بشكل مضحك. خففت قائمة من أتابعهم في تويتر أيضًا ، قررت الابتعاد فترة عن الانستقرام والنتيجة جيدة حتى هذه اللحظة. هل فاتني شيء؟ يبدو من الغريب طرح هذا السؤال! طبعًا لم يفتني شيء بل على العكس تمامًا كسبت الكثير وأصبحت اتجه للمعرفة من مصادر أفضل. لم يكونوا في حياتي حتى يفوتوني أصلًا. تخففت من عادة التقاط الصورة ومشاركتها مع أهلي وأصدقائي في سناب تشات، لم يعد يهمني ذلك فأصبحت أتحدث مع صديقاتي وأهلي بشكل مباشر عوضًا عن صورة لكوب شاي أو بوفيه إفطار مصحوب ببيت شعر لا أفهمه، وحوار مفقود.

قبل التخلص من أي شيء أسأل نفسي: هل يمكنني إعادة استخدامه أو صياغة هدفه بطريقة أخرى؟ هل سيوجد له مكان مناسب وحاجة ؟ بعض الحاجيات بقيت وأعدت تدويرها في أعمال فنية وديكورية وبعضها الآخر وجدت أنه سيكون ذا قيمة أكبر في مكان آخر وعند عائلة أخرى. أدركت أن وجود الكثير من البضائع يفتك بك ويجعلك ترغب بالمزيد أيضًا، فلا شيء يمكن أن يملأ تلك الفجوة بعد حد معين. فالموضوع مخادع بعض الشيء ! فكما Less is more ، فإن More is less.

لازال أمامي طريق طويل ولكني سعيدة حتى الآن بتغيري البسيط، أشعر أني قاومت الانجراف وراء الكثير من التأثير، شعرت أني أقرب للبساطة وأكثر امتنانًا لما لديّ. تضاءلت رغبتي في الشراء والتسوق بشكل ملحوظ. صرت أُدرك أن الحاجة التي تدفعنا للشراء بشراهة هي وهم لاغير. ميزانيتي تحسنت كثيرًا والأهم رؤيتي للمال تغيرت، فلم يعد المال مادة أنفقها فحسب، بل مادة يجب علي إحسان توزيعها والتعامل معها. كل أولئك الذين يروجون للبضائع ولشراء المزيد، كل أولئك الذي يحكمون عليك بما تملك لن ينفعوك ولن يستطيعوا إدراك الخفة الروحية التي ستعيشها وأنت أكثر حذرًا في استهلاكك. الأسهل أن تنجرف ولكن البطولة أن تقاوم. إنها لحظات جميلة حين تنتصر على نفسك الأمارة بالسوء، على المستهلك الذي بداخلك وتستمر في معركتك معه. أن تشعر أنك أثمن بكثير من حقيبة ثمينة وصرعة زائلة و أقوى من رغبة تجاه سلعة لاحاجة لك بها.

شاهدت قبل أيام وثائقي للصديقين الشهيرين أصحاب موقع The Minimalists, عن مفهوم المينيماليز أو البساطة و العيش بالحد الأدنى. تحمست لمشاهدة الفلم بعد ما شاهدت حديثهم في تيد قبل سنتين ، وخصوصًا أن الفلم سيشجعني أكثر على الاستمرار و تقدير قيمة ما أقوم به. الفلم يحمل فكرة جميلة ولكنها منفذة بطريقة غير جيّدة إطلاقًا. توقعت من الفلم أن يتحدث عن المينيمالزم بتوسع ويكون تثقيفيًا وملهما للآخرين، ولكن الفلم اتخذ منحى التسويق للشخصين و لكتابهم مع محتوى هزيل لا يلائم التوقعات. قد يحتوي على أمور بسيطة جديرة بالمشاهدة ولكن الفلم للأسف نفذ بطريقة غير جيدة ولم تخدم الفكرة كما ينبغي. إذا كان وقتكم ضيقكم أنصحكم بالاكتفاء بمشاهدة حديثهم في تيد الذي أدرجت رابطه  و حديثهم الأخير في تيد أيضًا قبل سبعة أشهر.

 سأستمر برصد الحاجيات التي أتخلص منها كل ثلاثة أشهر بإذن الله، ورصد التغييرات وتقديم توصيات ونصائح لمن يرغب أن يتبنى الخفّة.

في نهاية هذه التدوينة أتمنى أني ألهمت شخض واحد على الأقل أن يتخفف من مالديه، ويتوقف عن شراء مالايحتاج .

13 thoughts on “نحو التخفف Minimalism : حياة أخف ، بضائع ومشتريات أقل.

  1. تخيلت نفسي مكانك.. فعلا هذا ما أتمناه وأسعى جاهدة للوصول إلى ما وصلت إليه .. لكن علي أن أقنع زوجي بذلك فهو عكسي تماما .
    أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل .
    ممتنة لك لما قدمت.

    Reply

  2. جميل جداً انا أيضاً باحاجه لأن اتخفف من العديد من الأشياء.. شكراً نوال دائماً ماتلهمينا❤️❤️❤️

    Reply

  3. كانت هذه من أروع تدويناتك حقاً ^^
    كأحد متبعي نمط الحياة هذا (من منطلق إسلامي) كنت أسعد بكل شيء في مدونتك عدا تلك المرات التي تتحدثين فيها عن مشترياتك ومقتنياتك وأشعر أن لديك الكثير الكثير!
    لكنني الآن سعيدة جداً جداً بوقفتك الصادقة هذه مع نفسك وجرأتك في سلوك هذا الطريق 🙂 وتدوينتك هذه ستكون مرجعاً مهماً لي، وأتمنى حقاً أن تلهمي العددين غيرك ؛)
    كل الشكر💕

    Reply

  4. بالفعل عندما انتقلت الى منزلي الجديد طبقت هذا النظام مااحتاجه فقط ابقيته عشت في حالة نفسية رائعة اشياء اقل ترتيب اكثر شكراً لك على توضيح الامور اكثر احب مدونتك شكراً مرة اخرى لقلمك

    Reply

  5. فكرة التقليل جيدة ، بس أن يمر بي هذا الوقت طويل بلا جديد في خزانتي؟!
    ممم مادري ما جازلي ، بما أننا كمسلمين عندنا مفهوم الصدقة على المحتاج أحس ما يضر أني أملأ البيت بدون ضرر طبعا وإسراف ، وإن زاد عن حاجتي تصدقت به
    أما أني أمنع نفسي فلا

    Reply

  6. يا سلام يا نوال أكيد مامتك فرحانة بيكي عشان بتتخلصي من القرمبع 😂
    الحمدلله هذا نظامي من ٣ سنوات ومرتاحة جداً، صح بيتنا فاضي من الأشياء لكنه مليان بالحب 💜
    استمري بطله والله هذه التدوينة 👍🏼

    Reply

  7. أفكر بالموضوع وأتخفف بطريقة عشوائية منذ أكثر من سنة وكنت أعلق الموضوع بنفسيتي وأن هذه الاسلوب ضروري لادارة المنزل وابقاء الأمور تحت السيطرة ، منذ شهرين فقط عرفت أن هذه حركة عالمية وفي ناس كثار حول العالم ينتهجونها في حياتهم .. المهم منذ ذاك الحين بدأت في كتابة تدوينة عن الحياة البسيطة ولم أنهها حتى الآن !! زوجي متفهم ولله الحمد ويساندني في الأمر كثيراً ، لكن مع اربع أطفال وحياة أجتماعية مكتظة نوعاً ما ،، تتعرقل حركتي الشخصية 😐 ولكن لم أستسلم ولن .. باذن الله

    رائعة نوال .. أحبج

    Reply

  8. Pingback: التخفّف ، فيلم وأشياء أخرى «

  9. انا شفت حاجه زي كذا في برنامج خواطر لاحمد الشقيري واول ماسكنت بيتي الجديد اتبعت هالطريقة وفي التسوق خصوصا للاكل لاننا نرمي اكثر مما ناكل فالحمد لله مقتنعه من نفسي فصرت اشتري للضروره القصوى ماصرت اشتري تحت مبدا يمكن احتاجه بعدين وشكرا عزيزتي على مشاركتك هذه فتحت افاق كثيرة لي في المستقبل الى الامام

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *