الكتاب الثامن: مقدمة ابن خلدون.

 

بدايةً يجب أن أقول أنني كنت أتصور أن هذا الكتاب سيقتل لدي المتعة عند القراءة بطريقة ما .. لأني أنظر إلى حجمه وكثرة الكلام وترسخت هذه الفكرة عند قراءة أول الصفحات.. لا أعلم لماذا لكن شعور يشبه خيبة التوقعات.. ولكن مع مروري بالصفحات بدأت أعلم أن المشكلة كانت من عندي وأني أنا لم أكن أفهم مايعنيه غالبا وما يمثله هذا الذي يكتبه.. قد نعتقد أن مقدمة ابن خلدون تحتوي أشياء خارقة أو مثل ذلك نظرا لكثرة الحديث عنها وشهرتها ولكن ما أن تقرأها ستشعر بشعور: عادية !

لكن هذا بسبب أن من يفهمها بتلك الطريقة سيكون غالبا غير ملم بعلم الاجتماع وغير ملم بالفترة التاريخية التي عاشها ابن خلدون ونموذج الاطروحات في عصره.. بعد ما تعمقت قليلا في الكتاب شعرت أن هذا الكتاب هو من أكسبني متعة ربما لم أجد لها مثيلا منذ زمن طويل وأنا أمسك بكتاب “ضخم”
بدأت أفهم فعلا زمنه.. بدأت أحلل وأربط وأحاول التعرف على ابن خلدون من خلال مقدمته وأيضا أتعرف على عصره من خلال ابن خلدون..
هذا الكتاب لا أنصحك بقراءته “وحيدا” .. أقصد لا تقرأه بدون النظر إلى كتب أخرى تتناول مقدمة ابن خلدون تحليلا وفهما شموليا.. أيضا ان تتسنّى لك قراءة المقالات لتحليل بعض من أفكار ابن خلدون ستشعر بعظمة الكتاب – المقدمة – فعلا..

ما أريد أن أقوله هو ما أورده الدكتور علي الوردي في كتابه {منطق ابن خلدون}: “ولعل الكثيرين منهم شعروا بشيء من خيبة الأمل عند قراءتهم للمقدمة إذ هم بدأوا بقراءتها وهم يتوقعون أن يجدوا فيها مصداق ما سمعوا عنها من شهرة عريضة. وكأنهم كانوا يتوقعون أن يجدوا فيها أسلوبا رائعا كأسلوب الجاحظ أو أفكارا عالية أفضل من أفكار الفارابي وابن رشد. ولكنهم وجدوا بدلا من ذلك شرحا مسهبا لأمور هي في نظرهم اعتيادية تافهة لاتستحق أن يشغل المفكر بها نفسه. فهي تبحث مثلا في عادات البدو والحضر وما أشبه وهذه أمور ليست بذات الأهمية في نظرهم إذ هي مما يشاهدونه كل يوم في مجتمعهم فليس فيها ماهو جديد أو غريب. قال لي أحدهم وهو حائر يتساءل: ماذا وجد الأوروبيين في المقدمة ليعجبوا بها هذا الإعجاب المفرط؟ أليس عندهم من الكتب ماهو أفضل منها ؟”

بالضبط هذا ما أود قوله. ابن خلدون كتب مقدمته في عصره بطريقة لم تكن معهودة.. أتى بأفكار ودراسة للمجتمع كانت فريدة من نوعها.. أو لنقل أنه ابتدأ أو أسس علم اجتماع.. سنقرأها الآن ونراها عادية لكنها في ذلك الوقت ليست عادية أبد وإلى وقت قريب.. وبما تكون المقدمة من الكتب التي لن تُمحى من ذاكرة تاريخ علماء الاجتماع لأنها الأساس الواضح جدا او الفتيل لعلم الاجتماع.. فمن هنا تبرز أهميتها. فلذلك على القارئ أن يعرف كيف يقرأ وكيف ينتقد وعلى ماذا يستند في انتقاده..

الوضع أشبه بالجيل الذي ولد وكبر وعاش في ظل وجود الكهرباء. فهو يراها عادية وأمر مسلم به.. لكن لن يشعر بقيمتها الا الذي عاشوا في الظلمة ثم استناروا يوما بمصباح كهربائي.. على سبيل القياس لا أكثر..

أريد أيضا أن أضيف أنه ليس أي شخص مؤهل ليستفيد من هذا الكتاب.. قد يمسكه قارئ ما وينهيه بدون أي تأثير أو أي فائدة. وذلك قد يكون راجع لقلة الحصيلة المعلوماتية لديه.. أو لعدم تدربه على القراءة.. أنا متأكدة من أنه لو قرأت هذا الكتاب قبل سنة مضت لكنت تركته على الرف ولن أعو إليه ثانية أبدا.. لكن شيء جميل أني قرأته بعد تطور القراءة لدي ولتطور أفكاري وقدرتي على التحليل.

تحتوي المقدمة على ستين بابا يتحدث فيها ابن خلدون بإسهاب متفاوت الطول عن الظواهر الاجتماعية ودراسته لها.. وهذه الدراسات تتعلق بالطبيعة البدوية والحضرية والعمران والسلطان والحكم والعلماء والفقهاء والترف وما إلى ذلك.. عندما تقرأ بعض الأفكار التي أتى بها ستشعر أنه عبقري فعلا كيف أنه كرس أفكاره لملاحظة العالم من حوله ودعاه ذلك إلى تسجيل أفكاره واستنتاج نتائج أفادت البشرية من بعده دهرا طويلا..

يخرج ابن خلدون بأفكار ليست دارجة في زمانه .. ويرى ويدرك أن ما كان قد يصلح بالأمس ليس بالضرورة أن يصلح اليوم.. تتقدم فكرته هذه حينما يصرح في أكثر من موضع أن الوعظ والمواعظ لم تعد تؤثر في الناس- في زمنه – ولا يصلح المجتمع بتلك الطريقة.. هو يقول بشكل غير مباشر : يجب أن تدرس أصول المشاكل والمشكلة بذاتها، أن يدرس وضع المجتمع بمشاكله ومساوئه وسلبياته وعلى ذلك تُجرى الحلول.. وهي فكرة عبقرية في زمانها.. اذ كان الوعظ والدعوة للمثالية مباشرة من قعر الفساد هو الاسلوب السائد في ذلك الوقت- وربما الآن -.

هناك أبواب لم أكن مهتمة بها وتحتوي الكثير من الحشو الذي لايهمني حاليا فقفزتها.. مثل أبواب عن السحر وخلافه شعرت بالكثير من الكلام الغير مفيد بالنسبة لي.. لمست عند ابن خلدون بعض الأفكار الغاضبة على العرب وإن كان يقصد بهم البدو الرحل.. ويبدو ذلك نابعا من تجاربه الشخصية أؤ الفترة التي عاش فيها، وربما يعبر ذلك عن ضيق الأفق أو انحصاره في هذه التجارب فقط كما قال ذلك علي الوردي – ولعلي أوافقه -.

كنت متخوفة من الأسلوب. شعرت أنه سيكون صعب ويستعصي علي فهمه لكن الحمد لله استطعت أن ألم به وأفهم رغم مرور بعض الجمل والكلمات التي لاختلاف الزمان أصبحت غير مفهوما تماما وبسهولة بالنسبة لي.. أيضا شعرت أن المقدمة غير مترابطة أو غير متناسقة ان صح تعبيري.. فلذلك عندما قرأتها أول الأمر اكتشفت ان قراءتي سطحية فاضطررت لإمضاء يومينزآخرين لإعادة قراءة ما قرأته حتى أستطيع أن أجمع تشتتي . كنت أقرأ ما يقارب الخمسين أو الستين صفحة- قطع طويل – ثم أتوقف مع نفسي ساعة ونصف لمناقشة ما قرآته على ورق ومحاولة ربطه بما قرأته سابقا واستخلاص الأفكار التي أراد ان يعرضها بالإضافة إلي نظرة تحليلية مبتدئة لما قرأته وقد ساعدني هذا كثيرا كثيييرا في الاستفادة من المقدمة.

لا أعرف كيف أشكر هذا الشخص الذي أتى بهذه الأفكار الجميلة.. على الرغم من أن معظمها أصبح عاديا في زمني .. لكن هناك الكثير من السطور التي أثرت فيني مباشرة .. وغيرت أفكار لدي كنت متعصبة لها بدون أن أعلم وبدون أن أفكر مثل فكرة ابن خلدون.. أستطيع القول ان المقدمة غيرت فيني الكثير من الأشياء بدون قصد واضح من ابن خلدون وربما بقصد منه لكنها غيرتني فعلا وبدأت أنظر نظرة أخرى لها. علمتني المقدمة أهمية تصفح وتفحص الواقع وأن تشخيص المشكلة ودراستها وعرضها هو داائما بداية الحل.. علمتني المقدمة أن أنظر للأمور بنظرة غير التي لقنت إياها وبغير التي تربيت عليها.. لأن للأفكار محاور واتجاهات وإن أردت أن أعرف هل هي مناسبة لي يجب أن أراها من كل المنظورات.

عندما قرأت عن حياة ابن خلدون أكثر لا أدري لم َ زادت قيمة المقدمة في نظري.. ربما ظروف حياته وشخصيته التي ينتقدها الكثير جعلتني أرى أشياء في المقدمة لم أكن لأراها. أعرف كثيرًا أن الأوروبيين ذُهلوا بالمقدمة وهرعوا الى ترجمتها وكتابة البحوث عنها ورسائل الدكتوراة تُقدم في جامعاتهم إلى الآن.. وهذا لأنه أحدث ثورة غير مسبوقة في علم الاجتماع. لكننا نحن لم نستفد منها كمسلميين في ذاك الزمان لأن الأفكار الجديدة وغير الاعتيادية مرفوضة عندنا دائما.. حتى بدون تحليلها.. الرفض أسهل الطرق لدينا ..

يعجبني كثيرًا مزج ابن خلدون للآيات واستخدامها في علم الاجتماع وكأنه يضيف مسحة إيمانية روحانية. ويعلل ذلك الوردي بأنه يغلف نظرياته بغلاف الإيمان حتى يسلم من الانتقاد او الاتهام بالزندقة.

بطريقة ما طمأنتني المقدمة أن الأفكار الجيدة لاتموت .. ومهما قوبلت بالرفض والمعارضة أو عدم الاهتمام ستجد لها مكانا وزمانا آخرين وتحدث فيهما ماتحدثه. وهذا ماحصل تماما مع أفكار ابن خلدون.. يجب أن تعلمنا المقدمة والتاريخ كيف نستفيد من الأفكار الجديدة والغير مسبوقة .. يجب أن نفهم كيف نتعامل مع الأشياء الخارجة عن إطارنا البيئي والا سيكون التاريخ بلا فائدة لنا..

نقطة طريفة:
في مسلسل فرندز الأمريكي الشهير وفي أحد الحلقات تحددثت فيبي بوفاي شخصيتي المفضلة :] بطريقة عابرة وساخرة عن أنها تتمنى أن تكون من الأشخاص الذين لايُقدرون في زمنهم .. ضحكت كثيرا منها.
عاد لي المشهد في مخيلتي عند قراءتي للمقدمة.. وعرفت ماتعنيه من خلال ابن خلدون وأفكاره.. مات ولم يحظ بما كان يستحقه تقريبا كعالم اجتماع .. لكن مقدمته وتاريخه وشخصيته تدرس إلى الآن .. مات وعاشت أفكاره من بعده وحظيت بالقبول والتقدير والانتشار.. مات .. ثم بعدها أُسس علم الاجتماع على بعض ما كتب. هل ترغبون بأن تكونوا أشخاص غير مقدرين في زمنكم 😉 ؟

أكرر .. لاتقرأ مقدمة ابن خلدون – مالم تكن متخصص في علم الاجتماع والتاريخ – إلا وأنت مؤهل بحصيلة قراءة وتحليلية جيدة + اقرأ ابن خلدون من أناس آخرين . كتب ودراسات عن مقدمته – مقالات أو أي شيء آخر
وأرشح لك: منطق ابن خلدون لعلي الوردي.

بقي أن أشكر المحقق لمست أمانته في تبيانه لبعض الاختلافات في النسخ..

كانت رحلة ماتعة جدا جدا مع ابن خلدون . استحقت وبجدارة ان أمضي كل هذا الوقت الطويل لقراءتها . شكرا لابن لخدون النائم في قبره والذي لم يكن ليعرف يوما ما أنه وبعد مئات السنين ستقرأ فتاة اسمها نوال مقدمته وستتأثر بها وستتغير بعض أفكارها.. سأشكرك وجهًا لوجه في الجنة إن شاء الرحمن.

3 thoughts on “الكتاب الثامن: مقدمة ابن خلدون.

  1. من أحب الكتاب لدي هو د.علي الوردي فهو حقا يتمتع باسلوب مشوق.
    بداية مع ابن خلدون ، قرأت في احد المواقع اقتباسات منه جعلتني افكر كثيرا وأثارت فضولي لقراءة المقدمة، في هذه الأثناء بدأت في قراءتها واحببت فيها أشياء كثر، .
    نهايةً، شكرا لكتابتك عن المقدمة ف”حقاً” قد ازدادت شهوتي في قراءتها.

    Reply

  2. وكما قلتي”فلذلك على القارئ أن يعرف كيف يقرأ وكيف ينتقد وعلى ماذا يستند في انتقاده..

    طريقتك في كتابة نقدك البناء والتسلسل في الطرح وذكر النقاط المهمه التي تلخص بشكل سريع محتوى ..مقدمة ابن خلدون ,, رائعه جدا جدا

    لقد اقتبست بعض من رأيك في الكتاب وارشاداتك في مفضلتي
    شكرا لك نوال

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *