رمضان يطرق الباب.

 

Processed with VSCO with a5 preset

وككل سنة، يطرق رمضان الباب ، مبشرًا بفرص لاتنتهي ولا تُعد للتغيير. يطرق رمضان الباب والله يقول لنا أنه شهر الفرص العظيمة للتحول من حال إلى حال، لتغيير الأقدار ولقلب كفة الأمور لصالحك دنيا وآخرة. إن رمضان مطهر روحي وجسدي بكل ماتعنيه الكلمة من معنى، أرى رمضان كأنه antioxidant حرفيا، مضاد للأكسدة روحيًا وبدنيًا. التخفف من المطعم، التخفف من اللهث وراء أمور لا نحتاجها حقيقة، التفرغ كاملا لتغيير الذات التي انجرفت وراء ملهيات دون أن نشعر أو نحسب لها حساب. التخفف من أعراض البشر و الحديث عنهم بكل ماهو مسيء. الانعزال الإيجابي والركون إلى ذلك الركن الشديد الذي لايمكن له أن يخذلك. 30 يومًا للتطور و الصعود إلى مراحل روحية جديدة.

أُحب في رمضان أنه بمثابة إنذار للأشياء التي اعتبرتها كمسلمة، من الممكن أن تنتهي وتتغير. كوب القهوة الذي كنت لاتبدأ يومك إلا به، لم يعد خيارًا، تأقلم.. كأس الماء الذي يستقبلك بعد عمل شاق ليس متوفرًا الآن، تأقلم..
الغذاء الذي كنت تستطيع الحصول عليه و تناوله في أي وقت من اليوم ، لن يكون متوفرًا في كل وقت، تأقلم .. الوفرة في المأكل والشرب لدى معظمنا ستتحول إلى قلة (إن كنا نفهم معنى رمضان حقًا)، تأقلم.

فحوى رمضان على عكس ما هو شائع الآن، رمضان على النقيض تماما من زيادة الاستهلاك وتحويله إلى مناسبة استهلاكية أكثر من أي شيء آخر، فهو شهر التخفف بجدارة، عن تجربة العيش بماهو أقل من مأكل ومطعم، بالأقل من الناس والأكثر من التركيز على المستقبل الدنيوي والأخروي. رمضان في نظري بعيد كل البعد عن استجلاب مظاهر استهلاكية بشكل مفرط لاستقباله، المبالغة في إظهار هويته عبر مفرش وفوانيس وجلابيات وثياب وأواني صُممت خصيصا له حتى ضاع المعنى والمغزى الذي جاء من أجله رمضان.

Photo Oct 12, 2 24 46 PM (1)

وحدك من يقرر بعيدًا عن معظم هذا الصخب الفارغ في استقباله، كيف تكون في رمضان وبعده. إن أحسنت استقباله واستخدامه ستتغير روحك للأبد، وتبعا لذلك ستتغير حياتك. للأفضل طبعا. لا تصدق من يقول لك أنه لاطائل من تركك بعض الاخطاء في رمضان ومن ثم العودة لها بعد نهاية الشهر، من يدري فعلًا أن هناك لا طائل؟ الحساب بيد الله وحده فقط، و قد تكون بداية جيدة وتعجبك جدًا حين تتخلص من أخطائك. فتقرر الاستمرار. قد تكون هي التجربة التي خضتها بغرض وستخرج منها بغرض آخر أكثر قوة واستمرارية. رمضان فرصة عظيمة لتجربة الابتعاد عن أخطائنا وذنوبنا، عن احترام هذه الشعيرة، فلربما صدقك في التجربة قادك إلى قرارات أخرى أفضل. وتذكر لا شيء يضيع عند الله. المهم أن تكون نيتك مع الله جيدة، وراغب بكل مافيك بالعودة دائما. ك تقول صديقتي إيمان القرشي – وأنا أُكبر قولها هذا كثيرًا- :

يبدو رمضان كعينات العطر الصغيرة التي تمنحك إياها الشركة -مجانا- حتى تقتني العبوة كاملة والعطر الذي ستحس به هنا هو إحساس الصلاح اللذيذ الذي بإمكانك -مهما كنت عاديا- أن تحس به في رمضان وأنت تصلي ليلًا كالطاهرين.. وتبكي كالمؤمنين وتسبح كالذاكرين.. بعد أن تحب هذه العينة قد تقرر أن تقتنيها.. وقد تمنحك إياها السماءهدية فتجعلك ليلة من رمضان من أهل الجنة.

جهز أمنياتك، خططك للتغيير، اكتب أحلامك وما تريد له أن يتحقق لتدعو الله بها كثيرًا. قرر التخلص من عادات سيئة واكتساب أخرى حميدة. اختلي بالقرآن كل يوم، ليس من أجل الختمة، بل من أجل الفهم أولا والتعايش مع آياته. دعها تلامسك هذه المرة بدل أن تكون حروف تعبرها لتكمل عدد ختمات مجدولة. اقرأ كتابا يُحدِثُ فيك من تغيير ما ينبغي أن يَحْدُثَ فيك منذ زمن. اترك الناس لربها، تخفف من انتقاد الآخرين لأنهم لايعيشون ضمن معاييرك التي قد لاتكون أنت تعيش بها أصلا. أبدأ أعمالًا جيدة لك ولمن حولك، ساعد عائلتك في صنع إفطار بسيط جدًا، في التحلق حول برنامج ممتع ويضيف لك الكثير. قرّر أن لايخرج رمضان وأنت كما أنت عند دخوله، أن لا يخرج رمضان إلا وشيء فيك قد تغير، منظور أو عادة أو أو. رمضان يطرق بابك كل سنة، يريد لحواسك وروحك أن تنتبه لطرقاته. لاتجعل   أشياء سطحية و زائلة تشغلك عن استقباله. لاتدع رمضان يمضي لأنك لم تسمع طرقه بسبب ضوضاء  وجلبة هامشية علا صوتها على طرقه فلم تفتح له الباب. كل يوم هو بداية لإنعاش الروح والجسد، ورمضان أجمل بداية.

 

البابان الثاني  و الثالث والعشرون

تدوينات ذات صلة :

افتح بابك لرمضان.

رمضان أيضًا ،

 

week 32 | رمضان للتغيير.

11 thoughts on “رمضان يطرق الباب.

  1. مر رمضان تلو رمضان وكنت لا اسمع الاغاني وكان هناك من يقول لي سوف تعودين لسماع الاغاني بعد رمضان ماالفائدة وبالفعل كنت اعود ولكن قليل جدا والان لا اسمعها ابدا الحمدلله حمدا كثيرا الفضل لله ثم لرمضان

    Reply

  2. حديثك ملهم وعظيم يا نوال!
    قبيل رمضان مضى قبل سنتين قطعت على نفسي عهداً يشبه ما تفضلتي به، قررت أن أتخفف من كل شيء يثقل عليّ سواء كان ماديّا أو معنوياً النتيجة كان مذهلة وإن شابها بعض التنازلات لكن في مجملها شعور عظيم بأن روحك خفيفة راضية مرضية متصالحة معك ومعك الحياة ومع كل شيء

    Reply

  3. @Shooshoo:
    اشكرك كثيرا يا طيبة.. عسى أن ننتفع جميعاً

    @وجدان:
    فعلا وجدان. المحاولة لمجرد المحاولة لابد أن تثمر، فكيف لها أن تضيع عند الله؟
    اشكر لك تعليقك المحفز.
    حياك الله

    @بشاير:
    سعادة واطمئنان وفرح ، كل هذا شعرت به بعد قراءة تجربتك. الله يزيدك من فضله وايانا يارب
    اشكر لك تعليقك الكريم

    Reply

  4. حرفك جميل.. ولا أجمل من رمضان بأيامه ولياليه.. التخفف هو الذي نحتاجه فعلاً.. فالضوضاء الأخرى ترتفع بين استهلاكيات غذائية..وبرامج تأخذ الروحانية وتسرق الأجور.. واجتماعات تفاخرية بالغبقة أو القرقيعان أو حديث الأسواق والأطباق.. فعلا نحن بحاجة لرمضان رمضاني بطهر الغيم وقطر الندى… سلمت وسلمك الله وأحبابك لرمضان لا فاقدين ولا مفقودين.

    Reply

  5. نوال.. كلامك يمسح على قلبي دائماً، ويطمئني لما تتعبني غرابتي عن الي حولي.. مدونتك مكان ارتاح فيه من كنت بالثانوي، وانا الآن خريجة جامعه .. ومازلت اتردد على حساباتك واتعلم.. شكراً لأنك بحياتنا.. اكتبي لنا دائماً.

    Reply

  6. كُل رمضان يا نوال.. والخير الأعمق مما حلمتِ به، قد نالته روحك ✨

    كل رمضان وأنتِ شيء طيب بحياتنا ???

    Reply

  7. تدوينة رائعة وملهمة جداً كنت اتابعك من فترة طويلة لكن في الثلاثة السنوات الاخيرة انقطعت وتابعتك بتويتر فقط كلامك وتدويناتك يبعثوا لقلبي السعادة .. جزاكِ الله خيراً وزادك من فضله ..

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *