فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ – ٥-

إنني أؤمن أكثر من قبل بضرورة تحديد الهدف، وأقصد بتحديده أي: بدقة تامة وبشكل واضح تماما مهما كانت الظروف غامضة. وهذا لأي هدف، صغر أم كبر. وأؤمن أكثر أن سورة الكهف تعزز تحديد الهدف و السعي وراءه، وأن يكون الإنسان واضحا تجاه هدفه، وربما يعلن عنه لرفيقه أو آخرون. إن في سورة الكهف الهدف و وضوحه والسعي وراءه حتى يتحقق أو يحدث الله بعد ذلك أمرا. من أجل ذلك وأكثر استحقت الكهف أن تكون صديقة أسبوعية للإنسان المسلم الذي يجدر به أن يعرف هدفه ويصمم، للإنسان الذي يقتنص أهدافه ويصر عليها. انظر معي في هذا التعبير البالغ الدقة والجمال:

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا 

لا ابرح حتى أبلغ.. إنه الاصرار على الهدف مهما كانت الصعوبات. أن يكون لدينا من الأساس هدفا نعرفه بهذا القدر من الشفافية و التحديد، إن وجود هدف يساعد علي تحفيز الإنسان للوصول إليه ، إن وجود هدف يجعل من عملية الوصول له -على الأقل- شيئا يستحق التعب. ذلك أهدى مِن مَن يمشي بدون هدف ولا هدى معلقا أموره على البركة التي قد تحل أو لا تحل. أن يكون الهدف منطقي و واقعي مع خطة بديلة تحسبا لما قد يحدث، والخطة البديلة ليست إلا وجه آخر للإصرار.. أن أصل لمجمع البحرين أو أمضي له دهرا أو زمانا. إذا ” أو أمضي حقبا “. ياللواقعية في هذا القرآن العظيم. يالهذا التمهيد لصعوبة الحياة وأن الأهداف في مرات كثيرة قد تأخذ وقت أطول أشبه بالدهر، وأن هناك خيارات متعددة لتحقيق الهدف.

هذه الآية تقول لي : أن لا نرجع قبل أن نستكشف الطريق كله. أن لا نستسلم لأنه حتما سيكون هناك مايجعلنا نستسلم وأن نصر ونمضي في طريقنا للتغيير. أن يكون التغيير هدفا والحضارة مبتغى، أن تكون النهضة مقصد، وأن نعلم تماما أننا أمام أمر قد يطول حتى لنقول عنه: إنما أن نبلغ التغيير أو نمضي في ذلك حقبا.

إننا في أمس الحاجة للوضوح مع أنفسنا أولا، ومع الآخرين حول أهدافنا.. إننا في حاجة لأن يكون الهدف واضحا ودقيقا. نحتاج إلى خطة وخطة بديلة. إننا في حاجة شديدة لهدف يجعلنا نقول إما أن نبلغه أو نمضي له حقبا.. نحتاجه لحياتنا الشخضية لأمتنا للعالم. أن لا ننيأس سريعا ذلك أن الكثير من الأهداف تستحق أن نمضي لها حقبا، أن نعي تماما أهمية وضوح الهدف وجلاءه ، أن نتقبل حقيقة أنه كلما تقدمنا سنصطدم بتضاريس لم نعرفها ولم تكن في الحسبان لهذا احتجنا لخطة بديلة، خطة بديلة عن اليأس والرجوع والركون.

رتبوا أهدافكم ، وامضوا لها وتسلحوا في طريقكم ب: لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا.

فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ -٤-

http://distillery.s3.amazonaws.com/media/2011/10/12/d70d7fd2331846caa3dc7248c92d3bd4_6.jpg

عملية التغيير شاقة مهما كانت ممتعة. وكلما ازدادت غرابتها على أفكار الانسان وموروثاته كلما كانت  أصعب وأقرب للمستحيل في نظره. الجمود والركود يعني شيء واحد فقط: ان الأفكار لدى المجتمع انتهت وأنه في طريقه للتخلف لا التقدم. لذلك كانت الشعوب الأكثر رفضا للتغيير أكثرها تخلفا وأصعبها بيئيا في التغيير نحو الصحيح. عقل الانسان -هذا المعجزة- قادر على أن يتبرمج بما اعتاد عليه لا على الصحيح فقط أو على مافطر عليه، وهذا من ابتلائات الله لكي ندفع ما يغشى العقول بين الفينة والأخرى، لكي نساهم نحن في عملية التغيير. إذ أن العقل لوحده -ولا سيما العقل الراكد- غير كافي اطلاقا للحكم على الأمور في بعض الأحيان، العقل الراكد تخذله العادة والعرف، تخذله الألفة والبيئة التي نشأ فيها، يحسب أن ما يراه وما نشأ عليه صحيح وليس بالضرورة أن يكون كذلك ، وفي بعض المرات يكون العكس تماما عن الصحيح، قمة الخطأ. لذلك كانت عملية التغيير عملية قابلة للإعاقة من الانسان نفسه وليس من الطبيعة! لذلك كانت عملية التغيير والانتقال من فكرة إلى فكرة عملية شاقة للغاية للمُغَيِّر و المُغَيَّر، لها معارضين ولها جماهير أيضا، وأكثر مايعيق هذه العملية: الألفة و العادة.

إن الألفة و العادة مسبب كبير ورئيسي في محدودية العقل. وما نراه من حولنا في مجتمعنا هنا يثبت هذا وبشكل كبير، الذي لا يستحث عقله على الاطلاع والتعرف على ثقافات أخرى وعلى قابلية التغيير عوضا عن الوثوق التام في ما يراه ويسمعه سيحيى دائما وأبدا مقتنعا وفخورا بأخطاء ورثها من آباءه حسّنتها في نظره العادة والألفة. والعرف.

يقول لابوسييه في مقالته العبودية المختارة: إنه لأمر يصعب على التصديق أن نرى الشعب متى تم خضوعه، يسقط فجأة في هاوية من النسيان العميق لحريته إلى حد يسلبه القدرة على الاستيقاظ لاستردادها، ويجعله يسرع إلى الخدمة صراحة وطواعية، حتى ليُهيأ لمن يراه أنه لم يخسر حريته بل كسب عبوديته، صحيح أن الناس لايقبلون على الخدمة في أول الزمر إلا جبرا وخضوعا للقوة، ولكن من يأتون بعدهم يخدمون من دون أن يساورهم أسف. ويأتون طواعية ما أتاه السابقون اضطرارا، ذلك أن من ولدوا وهم مغلولوا الأعناق ثم أطعموا وتربوا في ظل الاسترقاق، من دون نظر إلى أفق أبعد، يقنعون بالعيش مثلما ولدوا.

إنها الألفة مجددا، إنها تسليم الأمور للعادة لا للعقل اليقظ ، الباحث عن يقظة ! إن هذه النماذج معيقة للتغيير بشكل أكبر من مانتصوره، تحدثهم عن حريتهم التي ولدوا بها ويتحدثون عن السلامة والأمان، تحدثهم عن فكرة تصحح معتقد بالي وخاوي، فيقولون هذا موروثنا وما عاش اباؤنا عليه وهذا هو الصحيح. إن الألفة والعادة بمثابة غشاء غليظ يحجب عن العقل الكثير من الأفكار الجديدة الأفضل لحياته في كل شيء. ( إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ).

لم تكن الفكرة أوضح يوما ما من وضوحها هنا في سورة الكهف، سورة التغيير ومعوقاته:

( وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا )

إنها إذا سنة الأولين، العادة التي نشأنا عليها وألفناها، ولم نشكك فيها . هي ( العقبة ) التي نقتحمها، وربما أصعب العقبات أن تتخلى عن ما نشأت عليه وتقبله عقلك، لذلك كانت التضحية كبيرة، كانت تضحية المؤمنين في أول الرسالة كبيرة حتمت عليهم تغيير البيئة كاملة والانتقال إلى بيئة جديدة في المدينة المنورة، كانت بعض التضحيات جسيمة، التخلي ليس عن الأرض فقط وإنما الأهل و الذكريات وكل ما يحتويه الوطن. من أجل شيء واحد فقط، من أجل الحقيقة التي تأتي مع الإيمان بالله وليس الإيمان بالموروث والعادات.

إن ورود الآية في سورة الكهف، سورة النهضة والتغيير المستمر. لنعلم ان التغيير ليس عملية سهلة اطلاقا، واننا سنصطدم بعادات وموروثات تقف في هذه العملية المستمرة ولربما نصطدم بانفسنا و ذواتنا. واننا سنواجه من يرفضنا ابتداء بسبب ما نشأ عليه وليس بسبب خطأ مانقول. إن سورة الكهف تهيئنا لما يحدث، للأسوأ والأفضل. إن هذه الآية تتكرر أسبوعيا في منظومة تغيير لكي نراجع عقولنا ولننزع غشاوة تركتها الألفة على مر سنون عديدة، إن هذه الآية هي مرحلة اليقظة لكل عقل في كل أسبوع. لنراجع أفكارنا ونصححها على مقاييس أخرى لا تتعلق بما نشأنا عليه. كانت هذه الاية لثبت ان الكهف للتتغير كما هي لاشياء اخرى كثيرة لم نعلمها بعد.
إن أكبر أعداؤنا هو عدو يعيش معنا ونتقبله، إن الألفة والعادة عدو.. عدو نجهله تماما ويعيقنا من استخلاف الأرض وتغييرها للأصلح، إننا يجب أن نحذر مما تخبره لنا الموروثوات والأمور التي لم نشكك في صحتها يوما طالما لم تكن من كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة. احذر عدوك الداخلي أكثر من عدوك الخارجي. احذر أفكارك وحاكمها قبل تدمرك.

فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ -٣-

http://distillery.s3.amazonaws.com/media/2011/05/27/f25acd2088184705906de2ede09b78c6_6.jpg

إن في الكهف ما لاينتهي من العبر، و الدهشة! إن في الكهف السؤال و الجواب، إن في الكهف ما لايُحد من الحلول،، و الاجابات لأسئلة طالما شغلت تفكيرنا.. إن في الكهف دورة تدريبية اسبوعية، للتغيير و مجاهدته، لتأديب النفس مع النفس ومع الآخرين. لفهم الحياة،، للنهوض بعد السقوط في القاع. في الكهف فرص لا تعد، فرص تجعل حياتنا أجمل بكثير، ليست أسهل،، لكنها أجمل.

( وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا )

لا أنفك من تأمل هذه الآيات عند كل قراءة للكهف.. إنني في كل مرة أقرأها أتخيل نفسي والاخرين من حولنا ، المسلمين عامة، البشر قاطبة.. إننا نصعّب حياتنا بأيدينا بتجاهلنا للحوار.. نعم الحوار الذي أصبح كلمة مستهلكة ونظرية ومثالية كثيرا ولا يجيدها الا القليل والقليل جدا.. لا يتطلب الأمر كثيرا،، فقط انظر حولك في خلافات العلماء، والمثقفين.. في خلافات الرؤساء والدول.. في خلافات العائلة والأصدقاء.. ان انعدام الحوار ادى بنا إلي أن نشهد خلافات همية جدا، قد نكون شاركنا فيها بدون وعي وربما بوعي. إن هجرنا لمعاني الكهف وانصرافنا لقراءتها كعادة لا زكثر جعل الخلافات تتصعد لطبقة لا يمكن أن تصل إليها لو لجأنا للحوار.. الحوار مع الآخر، مع النفس.. مع مخالفينا.. مع من نتفق معهم.. إن الحوار وسيلة للنهضة وللتحضر.. إن الحوار دوما اسلوب قرآني وأسلوب رباني .حتى مع الكفار والذين يشابهون صاحب الجنة أعلاه، لكن الرجل المؤمن الصالح يقول له مايقوله وهو (يحاوره). وأنا وأنت نعلم أن ألفاظ القرآن لم تأت ِ عبثا -معاذ الله- ولم تكن عشوائية ان لها مقصد ورسالة لمن ينتبه.

ليس من السهل أن نتفاوض في حوار، لذلك كانت عملية الحوار تتطلب الكثير من الوعي والكثير من الأدب.. الأدب الحقيقي وليس الأدب الملفق.. لذلك كان الحوار عملية مدهشة قادرة على إيقاف حروب، وجلب الصلح والهدن. لذلك كانت عملية الحوار قادرة على التقريب ، لذلك كان الحوار هو المفتاح للآخر مهما اختلف..

مؤسف أن الآية التي نقرأها أسبوعيا لم نتعلم منها أن الاختلاف مهما كبر يحتاج إلى حوار وليس إلى خصومات وتهم. ومواقف مخجلة منا ومن ما يُطلق عليهم النخب.

فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ -٢-

http://distillery.s3.amazonaws.com/media/2011/09/08/9be83755680642f7a6f20a751cbbe307_6.jpg

بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سورة الكهف لمن يتأملها سيجدها كالقنديل الذي يضيء لك طريق مظلم جدا، ستكتشف أسرار هذا الطريق بمجرد أن توجه ضوء القنديل، ستكتشف أن هناك مطبات، وأن هناك مرتفعات ومنخفضات بالطريق، ستكتششف المارة وتتعرف على  وجوههم وما تقوله. ستتعرف أكثر علي تضاريس الطريق الذي تمشي عليه الآن وربما الطريق المستقبلي، ستتعرف على خريطة مجدية لكي تعبر الطريق نحو النهاية، ستتعثر ربما وستقع أيضا، لكن لا مشكلة مادام معاك هذا القنديل، لا مشكلة إن الكهف معنا كل أسبوع لتذكرنا بتضاريس الطريق وخريطة الحضارة.

يأتي الترتيب القصصي في سورة الكهف بهذا الشكل، قصة أصحاب الكهف ، قصة الرجلان صاحبا الجنتين، قصة موسى و العبد الصالح وأخيرا قصة ذو القرنين وما آتاه الله من قوة وكيف استخدمها.

الترتيب نعم الترتيب له قصة أخرى، وتعجبات أخرى أيضا، و الكثير من التسبيحات والتصديق بالقرآن أكثر، لكن دعوني أتكلم هذه المرة عن ما يتخلل هذا الترتيب القصصي، أنه بعد كل قصتين يأتي مشهد غيبي، عن الآخرة وعن بداية الخلق وعن المحاسبة الشديدة الدقيقة للخلق. إن تداخل مثل هذه التلميحات والتنبيهات في سياق القصص القرآني وفي سورة مثل الكهف لابد أن يعني شيئا.. وشيئا كبيرا.

تحكي سورة الكهف قصص تغيير و وقصص قوة، قصص تصحيح معتقدات .. وقصص رفض بيئة ومبدأ خاطئ، وقصص صغيرة في سياق قصة كبيرة تتحدث عن القدر والحكمة المختبئة حتى حين، وقصة عن الاعتداد بالنفس والمادة وتجاهل ماغيره. ثم بعد كل قصتين يعود السياق ليصور شيء اخر لم نره ، أو سنراه في عالم آخر.. مشهد وضع الكتاب، مشهد اشفاق المجرمين.. مشهدنا ونحن ننظر الى صحيفة أعمالنا.. مشهد خلق آدم وتكبر ابليس وسجود الملائكة.. مشهد غيبي محض سيكون أخف وطئا لمن آمن به سلفا ،هو مشهد القيامة والحساب وتوزيع النتائج الأخيرة،، جنة أو نار.. لماذا هذا التلميح لأشياء غيبية / أخروية في سورة تتحدث كثيرا عن أحداث دنيوية عن أحداث تُفهمنا الحياة بشكل أكبر وسير الأمور بشكل أدق، في سورة تتحدث عن حضارة الانسان القوي ماديا وايمانيا، انه لشيء واحد وربما لأشياء عديدة الله أعلم بها.

إنه من أجل أن نعلم ان أحد ثوابت حضارتنا أخروي بحت وبحت جدا. وأن تغييرنا يجب أن يكون دنيوي وأخروي، ذلك التغيير الذي يبدأ في الدنيا .. للدنيا والاخرة معا، ذلك التغيير ذو النفع المتعدي لما بعد الدنيا..  أفعال متراكمة في الدنيا تؤثر على مصيرنا الأخروي، ذكر إبليس في هذا الترتيب بالذات لنعلم من جديد انه عدونا وأن ابليس وجنده في أشد الحالات غيظا منا، وسيحاولون الكثير لثنينا ونشر افكار ابليسية وتثبيطية لكن الله يقول لنا انه عدو لايملك من الامر ولا العلم شيئا لا هو ولا اعوانه فالله لم يشهدهم خلق السموات حتى نطيعهم ونتبع مايقولون، انهم لايعرفون شيئا حتى نستمع لهم. من أجل أن نعلم عدونا ونحذره لنعلم انه سيثبطنا اذ انه لايجيد سوى التثبيط والاغواء الذي سنعصم منه ان نحن ( أوينا الى كهف ) ينشر لنا ربنا من رحمته ويهيئ لنا من امرنا رشدا. إن التذكير بالاخرة بعد كل قصتين لشيء عظيم يريده الله أن يكبر في داخلنا ولا يصغر أبدا مهما عظمت الدنيا في أعيننا، إنه من أجل أن نبني حضارة مختلفة، حضارة كالتي بدأها الرسول وصحبه، حضارة ليست مادية محضة وإنما حضارة من نوع مختلف، حضارة الايمان اولا والمادة ثانيا، حضارة العدالة والروحانية . انها ثابت لا يمكن ان تقوم بدونه أي حضارة أخرى، وإن قامت فالنفس البشرية ستنحدر لأسوأ مستوياتها، انها حضارة الاستهلاك للمادة وتحكم المادة لا تحكم الانسان، لكن في سورة الكهف ما يذكرنا بأن الحضارة والنهضة ليس من أجل المادة، وإنما من أجل الآخرة،، من أجل ذلك المشهد المخيف والذي سنسأل فيه فرادى وجميعا عن ما قدمناه، وما فعلناه وما لم نفعله اذ كان من الواجب أن نفعله. إن هذه التداخلات بين القصص لأشياء كثيرة أجهلها وأظن أنني أعلم واحد منا بفضل الله، إنها من أجل التذكير بالثابت الأخروي، بالهدف الغيبي ، بالايمان بحضارة وحياة لله فقط.

يالله اجلعنا في كل جمعة إلى النهضة أقرب.. وإلى حضارة تعلي ذكرك أرغب.

فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ .

 

سأبدأ سلسلة تدوينات متصلة عن سورة الكهف والمعاني التي استخلصتها والأفكار من تأملي لها، كتبت زؤوس أقلام هذه السلسلة في رمضان ، وسأسعى لإدراج تدوينة أسبوعيا ويوم الجمعة خصيصا حتى لا ننسى الكهف.

هذه التدوينات مهداة إلي صحيفتي يوم القيامة.. مهداة إلى شعب تويتر وأخص الذين دفعوني للبدء بها، مهداة إلى الأمة الإسلامية الغارقة في التفاصيل والشخوص،، مهداة إلى كل مشروع نهضة حي. وإلى كل مشروع تغيير شخصي أو عام.

سورة الكهف مشروع تغيير دائم، ومستمر. نقراها اسبوعيا ونجد فيها مفاهيم وثوابت يجب ان ترافقنا في عملية التغيير للافضل دائما. عملية التغيير في النفس، في العائلة، في العمل، في المجتمع.. في العالم أخيرا.. سورة الكهف بمثابة الكشاف ذو قوة إضاءة عالية لأسبوع المؤمن. فيها من كل شيء ومن كل مثل، سورة الكهف قصة الحضارة وقصة التمكين وقصة التغيير،قصة اليقين والقدر، قصة الأفكار لا الأشياء ولا الأشخاص. قصة الفحوى لا التفصيل. سورة الكهف مأوى.. لذلك استحقت أن نقرأها دوريا بتمعن لا بسرعة، لذلك استحقت أن تكون نورا يقيلك من العثرات، لذلك استحقت ان يكون فيها مايعصم من فتن أخرى و  الفتنة الكبرى فتنة المسيح الدجال.. فتعالوا معي نأوي إلى الكهف ..

(١)

الخوض في التفاصيل غير مجدية، وبطريقة جدلية تقتل فكرة المووضع كله، تذيب الفائدة من الموضوع بأساسه.. هذا ما لمسته في آيات من سورة الكهف.

وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا * سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاء ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا.

في قصة فتية الكهف، عظة عظيمة.. ودرس ورسالة مباشرة من الله. والله عز و جل، يرسل لنا الخلاصة. ونحن نأبى إلا أن نجادل في ما لايُجادَل فيه، وفيما لا ينفع ! أرأيت تصرف القوم في الآيات ؟ هذا يشبه تصرفنا كثيرا حيال قضايا كثيرة.. أرأيت كيف أن الله قال: أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها ) ولكن يتنازعون حول تفاصيل غير مجدية.. يتنازعون حول مايفعلونه بهم هل يبنون بنيانا ، أو يبنون مسجدا.. ثم يستمر الجدل عبر القرون، سيقولون المنشغلون بالتفصيل عن الجوهر ٣ و رابعهم كلبهم وسيرد آخرون جدلا أنهم خمسة وسادسهم كلبهم ، وستظهر فئة ثالثة أخرى تقول أنهم خطأ وأنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم.. إنها البشرية حين لا تزن تصرفاتها، إنه الانفصال عن الموضوع إلى ما حول الموضوع. في حين أن الله قال وبكل وضوح أنه جعل قصة أصحاب الكهف وان الناس تعثر عليهم عظة وعبرة خلاصتها وجوهرها ولها أن وعد الله حق وأن الساعة قائمة لاريب فيها، لكن يأبى الانسان إلا أن يهمل كل هذا ويتجادل حو عددهم، وكم لبثوا وكيف يتعاملون مع موتهم وبأي شكل ! هذه التفاصيل التي لاتسمن ولا تغني ، ولا تجدي.. هذا التفاصيل التي تجعل الذهن مشتت عن المغزى، هذه التفاصيل التي تقود الانسان إلي طريق مظلم،، هذه التفاصيل والانشغال بها مهلكة حقيقية.

هذا التصرف لم ينقرض، انه يتوالد ويتناسخ.. نراه في انفسنا وفي قضايانا، نراه في تصرفات الاخرين حيال مانطرح، وتصرفاتهم حيال ما يطرحه الآخرون. نكون في موضوع ثم نحوم حول التفاصيل، نكون في فكرة ثم ننتقل الى الشخص بدل الفكرة، نتحدث عن فكرة جوهرية فتأتي ردود عجيبة عن تفصيلات أقل ما يقال عنها أنها مضحكة ، وسخيفة فما بالك أن يتلفت لها ويناقش فيها ! أناس يناقشون قضية ما، فيها عبرة ما فتجد أسئلة واعتراضات ليس على الجوهر انما علي تفاصيل جدلية .. هذا التصرف الغير موزون انتقده القرآن بشكل غير مباشر في سورة الكهف، والتي يفترض انها وقاية من الفتنة.. لذلك أفهم أن كل هذه التصرفات والانشغال بالتوافه أمر قد يؤدي بالانسان الي الالتفات للفتن والجدل العقيم، إنه يصرف عقل الانسان وروحه عن هدفه الاساسي، انه يصرفه عن رسائل الله التي يتلقاها يوميا -بشكل شخصي- . انه يصرف الامة كلها عن النهوض، والبقاء طويلا طويلا في فلك التفاصيل والاعداد والكم والمظهر.

في الكهف وصية بعدم الاهتمام والالتفات للتفاصيل الغير مجدية وعدم الانشغال بها.  ذلك أن القرآن بمجمله يمر على ذكرها مرور عادي وعابر في غالب الأحيان إلا إذا كانت هناك حاجة ملحة للتفاصيل. ويوصي بعدم الالتفات لها -في اكثر من موضع- عن الاشياء الرئيسية، عن الأشياء الحاسمة ، عن الأشياء القادرة على تغييرنا فعلا..

لنتعلم أن نمرر الأمور التي لا فائدة من الجدال فيها، لنتعلم أن هناك أمور ليس من الضروري أن نقحم ردنا ورأينا فيها.. لنتعلم أن هناك أمورا من الأفضل غض النظر والبصر عنها، ولنبقى في الفكرة ، الفكرة فقط ولا شيء غير الفكرة.